أفراح «اﻹخوان» فى جنازة «الحلوجى»

أحمد هريدي

أحمد هريدى
لم يكتبوا نعيًا للقيادى اﻹخوانى اﻹرهابى المصرى «محمد عبد الملك الحلوجي»، ولم يترحموا عليه بكلمة بعد وفاته فى مدينة اسطنبول التركية، مساء السبت 16 نوفمبر 2019.. إنهم الآلاف من أعضاء التنظيم اﻹخوانى الذين تعاملوا عن قرب مع «الحلوجى» فاحترقوا بنيران القمع والقهر ورفع بعضهم حناجرهم بالشكاوى والاستغاثات بعد طردهم من مساكن اﻹيواء والتوصية بالحيلولة بينهم وبين فرصة عمل توفر لهم قوت اليوم الواحد، ثم السعى لدى سلطات دولة الملاذ اﻵمن لترحيلهم إلى دول أخرى، والسبب أنهم تمردوا على قواعد السمع والطاعة العمياء، وخالفوا أوامر «الحاج».. والحاج هو «الحلوجي» الحاكم بأمره فى شئون الإرهابيين الهاربين فى دولة الملاذ اﻵمن.

رفض المئات من أعضاء التنظيم اﻹخوانى الامتثال لقرار التجمع مع قض الجماعة وقضيضها فى مسجد الفاتح بمدينة اسطنبول، بعد ظهر يوم الأحد 17 نوفمبر 2019 لأداء صلاة الجنازة على «الحلوجي» ثم السير خلف جنازته إلى المقابر، كما رفض آخرون تنفيذ التكليف الصادر من قيادات الجماعة بأداء صلاة الغائب عليه فى دول الملاذ اﻵمن، بل إن عددًا منهم رفضوا تقديم التعازى لأبناء «الحلوجي» رغم ما كان بينهم من علاقات صداقة قديمة، وامتنع عدد من قيادات المكاتب التنفيذية للتنظيم الدولى عن إصدار بيان نعى أو تعزية، وعندما أصدر ما يسمى بالمكتب العام لجماعة «اﻹخوان» بيانًا ينعى فيه «الحلوجي»، تعمد كاتب البيان عدم اﻹشارة إلى انتماء «الحلوجي» أو موقعه فى التنظيم، كما جاء البيان خاليا من رثاء له.

وجاهر بعض اﻹرهابيين الهاربين بالفرحة والشماتة فى وفاة «الحلوجي» ولم يتفاعلوا مع منشورات اﻵخرين الذين أسهبوا فى رثاء القيادى اﻹخوانى وكتبوا عنه محاسن لا صلة له بها، ورأى بعض الفرحين الشامتين أن الموت أصاب جبهة «محمود عزت» بخسائر فادحة، فالقيادى المُتوفى من أهم القابضين على مفاتيح خزائن أموال التنظيم اﻹخوانى المصرى فى الخارج، وكان مديرًا لاستثمارات الجناح الاقتصادى اﻹخوانى فى عدد من الدول، كما كان بارعًا فى جلب التبرعات من كل صوب وحدب؛ وبوفاته تفقد جبهة «محمود عزت» أهم أركان مجلس الشورى العام والتنظيم الدولى فى أفريقيا كما تفقد أهم همزة وصل بين الجماعة ورعاة اﻹرهاب فى دول الملاذ اﻵمن.

كان «الحلوجي» يخصص وقتا طويلًا لكتابة دعاء يومى يرسله إلى أعضاء الجماعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت من أهم فقراته الدعاء بالمرض والهلاك على عدد من رؤساء وملوك الدول العربية، فى مقابل الدعاء بالنصر والتمكين لرعاة اﻹرهاب فى دول الملاذ اﻵمن، وكان فى أيامه الأخيرة يختار الدعاء باللعين من المرض والعاجل من المصائب والكوارث على كل من يتصدى للإرهاب اﻹخوانى فى أى دولة من دول العالم، واستمر «الحلوجي» على هذا الحال إلى أن داهمه المرض ودخل أحد مستشفيات تركيا لإجراء عملية جراحية وتوفى متأثرًا بما حاصره من أمراض.
كان «الحلوجي» يستخدم أموال التنظيم فى المنح والمنع وإذلال أعناق عدد كبير من الهاربين خارج مصر، حتى أن عددًا منهم خططوا لقتله بعد أن استقر فى يقينهم أن سياساته فى قيادة التنظيم فى إحدى دول الملاذ اﻵمن تسببت فى تقسيم الهاربين إلى درجات؛ فمنهم أهل الثقة وهؤلاء يتمرغون فى نعيم المغانم والمكاسب، ومنهم ما دون ذلك من أهل السمع والطاعة فهم يرضون بفتات موائد النعيم، ولا مكان لمن يقول لا للحلوجى وبطانته.
لا ينسى أعضاء التنظيم اﻹخوانى ما حدث فى أبريل من العام 2017، عندما أصدر «الحلوجي» قراره بإخلاء وحدات سكنية بمساكن اﻹيواء وطرد عدد من أعضاء الجماعة المتمردين عليه، ويومها خرج بعضهم فى بث مباشر عبر «الفيس بوك» وكشفوا عن مكان هروبهم وجلسوا فى الشارع فى انتظار من يتصدق عليهم بالطعام والمأوى!

مات «الحلوجي» فلم يترحم عليه الآلاف من أعضاء الجماعة واعتبروا أنه لا يستحق دعاءهم له ولا تجوز الصلاة عليه فقدموا صورة واضحة لحقيقة معارك تكسير العظام داخل التنظيم الإخوانى؛ فلم يكن الصراع بين أدعياء السلمية ودعاة سفك الدماء كما يزعمون؛ فقد وَحَّد بينهم جميعًا الفكر القطبى التكفيرى، وما اختلفوا إلا على المصالح والمكاسب والمغانم، وهذا ما أكده القيادى اﻹخوانى «عصام تليمة» فى رسالة بتاريخ الثامن والعشرين من مايو 2019 م قال فيها: «كل من يحدثكم أن الخلاف داخل الإخوان سببه السلمية أو العمل المسلح فهو كاذب، يريد صرف أنظار الناس عن الأسباب الحقيقية للخلاف، وهو الخلاف على المواقع والمناصب الإدارية، وصلاحيات هذه المواقع وأصحابها، ومن يقول لكم عكس ذلك، فاطلبوا منه إخراج المراسلات التى كانت بين محمد كمال والدكتور محمود عزت والدكتور محمد عبدالرحمن المرسى، والخلاف حول اللجنة الإدارية العليا الأولى والثانية، كله خلاف إدارى فقط»، وأضاف تليمة: «وليخرج إخوان الخارج محاضر جلسات مجلس الشورى لن تجدوا حرفًا واحدًا ولا جلسة واحدة للنقاش حول هذه القضايا أو غيرها، كل النقاشات كانت فى الداخل والخارج حول خلافات إدارية ومالية فقط، ولم يكن العنف أو العمل المسلح مطروحا أبدًا فى هذه الخلافات، وتابع تليمة : «هذه شهادة لله والتاريخ ووثائقها وشهودها كثيرون وأحياء».

لقد كشفت وفاة «الحلوجي» عن سوءات التنظيم اﻹخوانى وأكدت أن الفكر التكفيرى اﻹقصائى يسيطر على أعضاء الجماعة اﻹرهابية ويدفع بعضهم إلى الفتوى بأن قياديًا منهم لا يستحق الدعاء بالرحمة والمغفرة.