ساحة "جامع الفنا" بمراكش.. تاريخ ممتد وتراث حضاري وأغانٍ وأهازيج وقردة وسحرة

أ ش أ
ساحة "جامع الفنا" أحد أهم وأشهر المعالم التراثية في مدينة مراكش المغربية، ذات تاريخ حضاري وتراثي عريق يعود إلى عهد حكم المرابطين الذين حكموا المغرب خلال القرن الثاني عشر الميلادي، عاصرت أحداثا وتاريخا إنسانيا، ومرت بها فترات تاريخية مزدهرة، وأخرى اتسمت بالصعوبة والمعاناة، ورغم ذلك صمدت هذه الساحة، وما زالت تواصل تقديم صورة تراثية وتقليدية يومية، واعترفت بها منظمة اليونيسكو كتراث إنساني شفهي.
وعندما تدلف إلى هذه الساحة، يفاجئك مروض الثعابين وهو يضع ثعبانا على كتفك ويحاول إقناعك بلمسه واللعب معه وعدم الخوف، ويضع أمامه مجموعة من الثعابين إحداها ضخم، ومنها الكوبرا، أخطر أنواع الثعابين على الإطلاق ويحاول إقناعك بالتصوير معها مقابل دراهم، وتترك مروض الثعابين، لتجد بعد خطو ة مروض القرود والنسانيس، يحمل قردا صغيرا، يكرر ذات المحاولة ويعمل على إقناعك بالتقاط صور بصحبة القرد أو أن تلاعبه، وإذا رفضت يطاردك لخطوات وربما يلح في الطلب لجعلك تقبل عرضه ببعض الحركات البهلوانية من القرد المدرب.. وبطبيعة الحال، فان ما يجود به جمهور الساحة من أموال لهؤلاء العارضين، هو مصدر دخل هؤلاء مقابل بعض الدعوات لهم.
وعلى بعد خطوات يصادفك الحكائيين الذين ما زالوا يقصون الحكايات والقصص حول هذه الساحة والبلدان وحكاياتهم يختلط فيها الواقعي بالخيالي أو الأسطوري، وتتم بطريقة تحاول جذب المشاهد لأكثر وقت ممكن حتى يمكنه البقاء وعدم الانصراف إذا ما فقدت الحكاية جاذبيتها أو تراجعت قدرة الحكواتي على الإبهار.
ويصف البعض هذه الحلقات الشعبية بأنها أكبر ساحة مسرحية في المغرب والعالم على هذه الهيئة التراثية، حيث يروي الممثلون حكاياتهم بصورة عفوية، ويجسدونها بشكل هزلي، ويتجمع حولهم الجمهور بشكل تلقائي، فالراوي ينقل المشاهدين إلى زمن القصة، وبعد انتهاء العرض يتلقون القطع النقدية تشجيعا لهم من الجمهور وتعبيرا عن الاستمتاع بهذا العرض.
وليس ببعيد، تصادفك التي تدق الوشم وترسم بالحنة، حيث تحاول استقطاب الفتيات خاصة، وبعض السياح من الأجانب الذين تستهويهم تلك العادات الشرقية.. كما تنتشر في الساحة مجموعات من العازفين والفنانين، ومنهم من يجيد العزف والغناء بشكل مدروس وأقرب إلى الاحتراف، وآخرون يطلقون أهازيج وأشياء أشبه بالعزف والغناء، وهم يكونون على شكل حلقات يتجمع حولها الجمهور ومرتادي الساحة للاستماع بعزفهم، وربما المشاركة معهم بالرقص أو حتى بالعزف على الآلات.
وتضم الساحة أيضا خليطا من الذين يقرأون الطالع ويستشرفون المستقبل سواء من الرجال أو النساء، كما تضم مجموعات من الحواة والسحرة الذين يمارسون ألعابهم وحيلهم السحرية لإقناع الجمهور بقدراتهم الخارقة لقاء بعض الأموال.
وفي منتصف الساحة تصادف مجموعة من الأشخاص وقد جلبوا معهم أقفاص الحمام المدرب، حيث يطلقونها في فضاء الساحة لتشكل سربا منتظما وأشكالا ثم تعود إلى أقفاصها مجددا، وآخرون يمارسون ألعاب الحظ وإن كانت بطريقة بدائية تفتقر إلى عوامل الجذب الحديثة، إلا أنها تلقى إقبالا من جانب الجمهور.
وفي أجناب الساحة، اصطفت الأكشاك التي تصنع العصائر والمشروبات الطبيعية بأسعار تقترب من أسعار المقاهي الفاخرة نظرا لكون معظم رواد الساحة من السائحين أو المواطنين ذوي الدخول المرتفعة، وقليل منهم من جاء للمتعة لقاء قليل من المال أو ربما دون دفع أموال.
وتتردد على الساحة يوميا جماهير غفيرة، فليس لزائر يحل بمدينة مراكش إلا ويزور الساحة ليستمتع بجمال الفنون الشعبية المغربية، حيث تستقطب هذه الساحة ملايين الزوار سنويا، ويرتادها أيضا إلى جانب الجمهور العادي مشاهير الفن العالميين الذين يزورون المغرب سواء لأعمال أو للسياحة، كما ولع بها سياسيون ومثقفون ومفكرون ورؤساء دول.
ومع اقتراب وقت الغروب، تتوسط هذه الحلقات التي تعج بها الساحة موائد الأكل المتنقلة والتي تمد موائدها بشكل بسيط ومتجاور بشكل مذهل مع عرض قوائم الطعام وأسعارها واسم صاحب المائدة التي يتم إقامتها كل مساء في الهواء الطلق.
ويتلألأ ليل ساحة "جامع الفنا" كل مساء بالمصابيح التقليدية التي تبدو من سطوح المقاهي المطلة خلف دخان المطاعم الشعبية التي تقدم أنواعا مختلفة من المشويات من اللحوم والنقانق في الهواء الطلق، حيث يطل على الساحة من جميع جوانبها المقاهي والمطاعم التي تقدم لزبائنها الأطعمة الشعبية وأشهرها "الطاجين"، وهو عبارة عن طبق من الفخار بغطاء يحتوي مجموعة من الخضروات مخلوطة باللحم تقدم ساخنة مع الشاي المغربي الأخضر أو غيرها من أصناف المأكولات المغربية من الكسكس والبسطيلة والبقول والسمك والمقليات والدجاج.
ويتفرع من ساحة "جامع الفنا" مجموعة من الأزقة التي تشكل كل منها سوقا متخصصا، فهذا سوق العطارة، وذاك سوق المشغولات الذهبية، وهناك سوق المصنوعات الجلدية، وسوق يبيع الصابون الشعبي بروائحه وأصنافه المختلفة وأشهره صابون "الطين الأسود" ومنتجات "شجر الأركان" سواء كانت زيوتا للأكل أو للشعر والبشرة أو منتجات أخرى كالصابون والكريمات، إلى جانب المنتجات المصنعة من الروائح العطرية التي تتميز بها المغرب، والآخر سوق الأقمشة والزي المغربي التقليدي من الجلباب والقفطان والعبايات المغربية المطرزة وأسعارها تتراوح ما بين 2000 إلى 10 آلاف درهم مغربي وتزيد في حال ارتفعت قيمة الأقمشة أو التطريز.
كما يتواجد بالقرب من الساحة سوق السجاد والبسط التقليدية، حيث يعرض مختلف أنواع السجاد سواء اليدوي أو المصنع بشكل آلي.. وفي نهاية السوق، يوجد متحف للسجاد والمنتجات التراثية الخاصة بهذه الصناعة.
وعلى أحد أطراف الساحة، تتواجد عربات "الحنطور" التي تجرها الخيول لتقديم خدمة رؤية معالم المدينة بوسيلة نقل تراثية.
وبنظرة تاريخية على ساحة "جامع الفنا"، فهي وإن كانت ساحة للاستمتاع بالأجواء التراثية أو الأنشطة والأجواء التي تجمع بين التراث والتقاليد ومحاولة مسايرة الحياة العصرية واطلاع السائحين على مكونات هذه الثقافة لهذا المكان، إلا أنها ذات تاريخ طويل ممتد، حيث يعود إنشاء هذه الساحة إلى عهد المرابطين في المغرب خلال القرن الثاني عشر الميلادي، وانطلقت من خلالها الجيوش إلى المعارك ثم تحولت إلى ساحة للفكر والثقافة والفن ورواة الحديث والسيرة النبوية والقصاصة والحكواتيين والمغنيين والراقصين والفلكيين والعرافين والفكاهيين والواشمات ومخضبات الحناء.
وفيما يخص تسمية الساحة يرى البعض أن أصل تسمية الساحة بهذا الاسم يعود لقربها من ساحة قصر "الحجر المرابطي"، والذي تم اكتشاف بعض أنقاضه تحت "جامع الكتبية" القريب.. ويرى البعض أيضاً أن مصطلح "الفنا" قد يفيد معنى "الفناء" أي الدمار والتخريب، حيث توجد العديد من الشهادات التاريخية التي تؤكد هذا الرأي وتجمع غالبيتها على وجود مسجد مهجور في منتصف الساحة.
وتعتبر هذه الساحة القلب النابض لمدينة مراكش، حيث تعد نقطة التقاء بين المدينة والمدن المجاورة، ويقصدها ملايين الزوار سنويا.