رفض أمريكا الخروج من العراق؟

صالح أبو مسلم
صالح أبومسلم

منذ الغزو الأمريكى للعراق عام2003، ثم عودة أمريكا إلى العراق عام 2014، فى إطار التحالف الدولى المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية ،لم تنعم أبدا العراق بالأمن والاستقرار والرفاهية وشعارات الديمقراطية التى وعدتهم بها أمريكا، بل تحول حال العراقيين إلى الأسوأ وذلك بعد انتشار التنظيمات الإرهابية التى جاءت للعراق من كل حدب وصوب بأيدى أمريكية وغربية وتركية لتستولى على الكثير من الأراضى العراقية لتأسيس الخلافة الإسلامية المزعومة بالمنطقة، وبما أحدثته من فوضى وخراب وتهجير فى معظم الأراضى العراقية، ومن ثم قام الجيش العراقى بمساعدة ما يسمى بالتحالف الدولى بقيادة أمريكا لاستعادة الأراضى العراقية وطرد الإرهابيين خارج الحدود العراقية، وبرغم توافد أكثر من حكومة عراقية بعد العام 2003 إلا أن العراق لم ينعم بالأمن والاستقرار، ولم يتمكن من بسط كامل نفوذه وسيادته على أراضيه، أو بالقدرة على توحيد النسيج الوطنى العراقى والتعايش السلمى بين مكوناته كما كان عهده قبل الغزو الأمريكى بسبب انتشار المذهبية والطائفية بين مكوناته، ومحاولة الأكراد فى كردستان العراق بالانفصال عن الدولة العراقية وغيرها من المظاهر السلبية ومنها انعدام الأمن وتدهور البنى التحتية والاقتصادية وانتشار الفقر والبطالة الممنهجة بعد التدخل الأجنبى فى شئونه، وانتشار العمليات الإرهابية فى الكثير من المناطق العراقية؛ لوجود بقايا التنظيمات الإرهابية وخلاياها النائمة ناهيك عن التدخلات الإيرانية الكبيرة التى نجم عن وجودها خلق ميليشيات عسكرية جديدة موازية للجيش الوطنى العراقى ومنها الحشد الشعبى وحزب الله العراقى وغيرها من الفيالق والميليشيات المسلحة وعمليات الاغتيالات المتواصلة بما فيها قتل ثوار الحراك الشعبى المستمر بالعراق منذ ثلاثة أشهر، إلى جانب استفحال دور القيادات والمرجعيات الدينية وتدخلها فى الشئون السياسية وفقا لتوجهاتها وأيديولوجياتها وبالتالى عجز الكثير من الحكومات المتعاقبة من حسن إدارة البلاد الغنية بالموارد والقدرات الأمر الذى أدى إلى خروج الملايين من العراقيين فى شتى المحافظات إلى الشوارع بعد انعدام أملهم فى تغيير الواقع من خلال حراك شعبى كبير ومستمر على غرار ثورات الربيع العربى ومطالباتهم بعزل فورى لكل الرموز والقيادات السياسية وعلى رأسها الحكومة الحالية والبرلمان وبمكافحة الفساد والعملاء، ورفض كل أشكال المحاصصة فى الحياة السياسية والحزبية وكل أشكال الفرقة والتمييز بين مكونات الشعب العراقى وبالتصدى لكل أشكال التدخلات الأجنبية وعلى رأسها إخراج القوات الأمريكية والغربية الأخرى الموجودة بحجة محاربة داعش، وبوقف التدخلات الإيرانية والتركية، وبمنع الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا على أراضى العراق بعد أن أصبحت العراق مسرحا لصراعات وعمليات تلك القوى على الأراضى العراقية وبالتالى رفض العراقيين واستيائهم لوجود القوات الأمريكية والإيرانية فى البلاد وتحميل أمريكا لكل المآسى التى تعرضت لها العراق ومنها الفوضى والخراب والدمار والقتل وانعدام الأمل فى التغيير.

وبرغم تعالى الأصوات بخصوص المطالبة الشعبية والحزبية والدينية بانسحاب القوات الأمريكية، وبرغم قرار البرلمان العراقى الذى صدر بالإجماع والذى يطالب أمريكا بسرعة سحب قواتها، وبرغم قيام رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدى بنقل قرار البرلمان العراقى إلى وزير الخارجية الأمريكى بومبيو عبر اتصال هاتفى بشأن انسحاب القوات الأمريكية فإن أمريكا كشفت عن نواياها المبيتة تجاه العراق وأعلنت عبر وزارة خارجيتها بعدم نيتها الخروج من العراق وفق مصالحها وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة تشعر بخيبة أمل من دعوة البرلمان العراقى إلى إلزام القوات الأجنبية بالانسحاب من البلاد بعد مقتل قائد عسكرى إيرانى كبير وقيادى بالحشد الشعبى العراقى، ومن ثم مطالبة واشنطن بتوسيع صلاحيات وبقاء حلف الأطلنطى فى تلك المنطقة، ليصبح أمر جدولة انسحاب القوات الأمريكية من العراق خلال الفترة المقبلة أمرًا مرفوضا أى بعدم تطرق الأمريكان خلال مفاوضاتهم المرتقبة مع العراقيين لمسألة الانسحاب وبما يعنى بقاء أمريكا وحلفائها بالعراق بحجة محاربة الإرهاب أى باحتلال العراق.

وبهذا يكون العراق الآن قد وقع وسط دوامة من الصراع السياسى والعسكرى الحاصل على أرضه أى ما يحدث بين أمريكا وإيران وبخاصة بعد اغتيال أمريكا لقائد فيلق القدس الإيرانى قاسم سلمانى ونائب قائد الحشد الشعبى وما نجم عن ذلك من تداعيات استباحت سيادة وأمن العراق وسط ما يشهده من حراك، فهل يستفيق العراقيون جميعا ويصطفون معا من أجل استعادة سيادة بلدهم بعد غزوه واحتلاله والتحكم فى شئونه؟، ولن يتمكنوا من القيام بذلك إلا عندما يقفون معا للتصدى للغزاة المقيمين على أرضهم والمتدخلين فى شئونهم والعمل على طردهم، ومن ثم تمكنهم من استعادة بلدهم وبنائه بكامل هيئاته ومؤسساته واستعادة قوته وهيبته وتحقيق مطالب ثورتها ورجوعها لدورها الإقليمى والدولى بعافية من جديد.