بين النبى دانيال.. ومقبرة الإسكندر.. المعبد اليهودى بالإسكندرية يجدد غموض شارع الماضى المجهول!

المعبد اليهودى فى الاسكندرية
جيهان حسين

تحولت منطقة محطة الرمل بالإسكندرية، يوم الجمعة الماضى، إلى خلية نحل، مدججة بحراسات أمنية مشددة، ومحاطة بكاميرات المصورين من وسائل إعلام محلية وعالمية، لتسجيل ورصد لحظات، ربما يعتبرها البعض تاريخية، لها دلالات عميقة فى السياسة المصرية، رامية إلى نشر رسالة سامية، بأن مصر تظل دائمًا بلد التسامح مع كل الأديان، دون أية اعتبارات سياسية، تدحض أية محاولات لتشويه دور مصر القومى والعربي، كانت اللحظة افتتاح المعبد اليهودى «إلياهو هانبي» الشهير بشارع النبى دانيال، قلب محطة الرمل، وسط مدينة الإسكندرية، بعد انتهاء أعمال الترميم التى بدأت منتصف عام 2017 واستمرت عامين ونصف العام، وبلغت تكلفتها 68 مليون جنيه.

قص شريط الافتتاح، الدكتور خالد العنانى، وزيرالسياحة والآثار، واللواء محمد الشريف، محافظ الإسكندرية، بحضور نائب رئيس بعثة سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة، دوروثى شيا، وماجدة هارون، رئيس الطائفة اليهودية بمصر، والدكتور مصطفى الفقى مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور عصام الكردى رئيس جامعة الإسكندرية، والدكتور زاهى حواس وزير الآثار الأسبق، ولفيف من القناصل والسفراء، والبرلمانيين، والشخصيات العامة، فى مشهد جلل، نادرًا ما يتكرر فى تاريخ الشعوب، خاصة فى ظل الأوضاع الراهنة.

أهالى عروس البحر، يعرفون جيدًا هذا المبنى الأثري، الذى حكى آباء الجيل الحالي، كيف كانت جموع المصلين «اليهود» يتوافدون لأداء الصلوات فى الأعياد اليهودية، ليملأوا أرجاء معبدهم العريق الذى تشير الأقاويل إلى بنائه فى منتصف القرن الـ«14»، قبل أن يقوم نابليون بونابرت بقصفه، خلال الحملة الفرنسية على مصر، ليعاد بناؤه فى عهد أسرة محمد على باشا، على طراز معمارى أوروبي، كأحد أقدم المعابد اليهودية فى الشرق الأوسط، ويتمتع بقيمة كبيرة للطائفة اليهودية، نظرًا للأسطورة الشائعة بأن «إلياهو» أحد أنبياء اليهود، ظهر بعد وفاته فى المكان المقام عليه المعبد لعدد من رجال الدين اليهودي، ليبقى المعبد منذ ذلك الحين، شاهدًا على أن تاريخ مصر يفرض عليها منذ قديم الزمان، أن تكون مهدًا، وأرضًا للتعايش، والتعددية التاريخية، والدينية، مع الحفاظ على هويتها، فالمعبد مسجل ضمن الآثار بالقرار الوزارى رقم 16 بتاريخ 19 يناير 1987، ويحوى «دولابًا مقدسًا» يضم «36» سفرًا من أسفار التوراة مكتوبة على الجلد.

لم يكن يوم الجمعة الماضى، مجرد توقيت زمنى لافتتاح مبنى أثرى طالما أثار الجدل على أرض الإسكندرية فقط، وإنما «مكان الحدث»، فرض سيناريوهات أخرى، جددت تساؤلات حائرة، ظلت سنوات، وربما قرونًا، تبحث عن إجابات شافية، دون جدوى، حيث يقع المعبد اليهودي، فى شارع النبى دانيال، أكثر شوارع المدينة غموضًا، والذى ترجع بعض الروايات التاريخية تخطيط هذا الشارع لفترة حكم الإسكندر الأكبر، حين أمر ببناء مدينة الإسكندرية، على أساس شارع طولى وآخر عرضى يمثلان العمود الفقرى للمدينة، ويعتقد البعض أن شارع النبى دانيال هو الشارع الطولى.

مقبرة الإسكندر الأكبر
ومنذ أكثر من «23» قرنًا من الزمان، وبالتحديد عام «323» قبل الميلاد، تاريخ وفاة الإسكندر الأكبر، وتطل شائعات برأسها بين الحين والآخر، حول احتمالية وجود مقبرة القائد المقدونى الأعظم، الإسكندر، تحت أغوار هذا الشارع الغامض، الذى شهد عددًا من الحوادث الغامضة، التى أيدت تلك المزاعم، بحدوث حالات مريبة من اختفاء البشر، بينما كانت أرض الشارع «تغور» بهم، على حد قول الاسكندرانية.

وكانت العديد من دراسات الأثريين، قد رجحت وجود مقبرة الإسكندر، الغامضة، فى شارع النبى دانيال، اعتمادًا على رواية دينية تقول إن القديس يوحنا الذهبى ألقى فى إحدى مواعظه عن قصة بناء كنيسة باسم النبيين «إلياس» و»يوحنا»، ذكر فيها أنه عند حفر أساسات الكنيسة تم العثور على كنز يحتوى على تحف وآثار تعود لعهد الإسكندر، وروايات أخرى تشير إلى أنه فى القرن السادس عشر، كان المسلمون يقومون ببناء مسجد «ذو القرنين»، وعرف بعد ذلك باسم «مقبرة النبى والملك إسكندر»، ويقع مكان مسجد النبى دانيال الحالى.

مسجد النبى دانيال
أما مسجد النبى دانيال الشهير بالشارع، فهو يحمل روايات متناقضة أيضًا، حيث يوجد بالمسجد قبر ومقام نسجت حوله الأساطير ، وعليه «شاهدا قبر»، الأول مكتوب عليه «النبى دانيال»، والثانى «هنا يرقد الحكيم لقمان»، وأحاط الغموض تسمية المسجد، ومن هو صاحب القبر الموجود بإحدى الغرف الملحقة به، فهناك أقاويل تزعم أنه يخص «النبى دانيال»، أحد أنبياء بنى إسرائيل، برغم أنه عاش ومات قبل تأسيس الإسكندرية، وبرغم أن الروايات التوراتية نفسها اختلفت حول اعتباره نبيًا يهوديًا، من سبط يهوذا، بينما تعتبره الطائفة البهائية أحد أنبيائها، كما تحتفل به الكنيستان الكاثوليكية، والأرثوذكسية، كذكرى ميلاده فى شهرى يوليو وديسمبر، حسب اعتقاد كل من الكنيستين، بينما تشير بعض الروايات الإسلامية إلى أنه نبى ولو لم يذكر فى القرآن، بدليل أن الخليفة عمر بن الخطاب أمر بإعادة دفن رفاته الذى عثر عليه فى عهده، ولكن دون مقام حتى لا يتبرك به المسلمون.

أما الرواية الثانية لتسمية المسجد، فتؤكد أنه مسمى تخليدًا للعارف بالله محمد دانيال الموصلي، أحد شيوخ المذهب الشافعي، قدم إلى مدينة الإسكندرية، فى نهاية القرن «18»، متخذًا من مدينة الإسكندرية مكانا لتدريس أصول الدين وعلم الفرائض على نهج الشافعية، ومكث بالإسكندرية حتى وفاته عام «810»، وتم دفنه بالمسجد وأصبح ضريحه مزارًا للناس، فى المسجد الذى يحمل اسمه بشارع بنفس الاسم، برغم وجود أبحاث تاريخية تدحض هذه الرواية، باعتبار أن الشيخ المذكور لم تطأ أقدامه أرض الإسكندرية، والمسجد تم تسجيله ضمن الآثار الإسلامية والقبطية بالقرار رقم 231 لسنة 2005 م وصادر له قرار بالحرم برقم 168 لسنة 2018 م، كمسجد منسوب للعارف بالله، الشيخ محمد دانيال الموصلي.

والمثير، أن شارع النبى دانيال، تتوسطه الكنيسة المرقسية، أقدم كنيسة فى مصر وأفريقيا، والتى بناها القديس «مرقس» فى القرن الأول الميلادى عام 62 م، مع دخول المسيحية إلى مصر.

كانت أعمال ترميم المعبد اليهودي، بشارع النبى دانيال، تمت على يد خبراء ترميم من وزارة الآثار، وشملت الأعمال ترميم 25 شمعدانًا، و15 نجفة، والمذبح، والمصلى، والأسفار، ولفائف التوراة، والزخارف والعناصر الخشبية، والنحاسية ونظم الإضاءة والتأمين والإنذار، والتدعيم الإنشائى للمبنى والترميم المعمارى الدقيق للواجهات الرئيسية والحوائط المزخرفة، ويقع المعبد على مساحة إجمالية تبلغ «4200» متر مربع، حيث كان يخدم طائفة يهودية عاشت بمصر تعدت «40» ألف يهودي»، تناقصت تدريجيًا على مدار القرون، فلم يعد أفرادها يتعدون أصابع اليد الواحدة.