"الأسبوع" ترصد أسرار «الثأر الهوليوودي» الإيرانى لقاسم سليماني

تقرير يكتبه: أحـمد بـديــوى

فى الرابع من يناير الجاري، رفعت الحكومة الإيرانية (بأوامر مباشرة من مرشد الثورة، على خامنئي) العلم الأحمر فوق مقام المهدى بمدينة «قم»، جنوب العاصمة طهران، رمزًا لخطة التحضير للثأر من قتلة قائد فيلق القدس التابع لقوات الحرس الثوري، قاسم سليماني، الذى استهدفته غارة جوية أمريكية بالقرب من مطار بغداد، مع قيادات ميدانية عراقية، موالية لطهران.

لحظتها، راحت التحليلات والتوقعات تتسارع حول شكل وقوة الرد الإيرانى المرتقب، الذى جاهرت به عقب رفع راية الثأر الحمراء، وسط تسريبات من أجهزة الاستخبارات الإيرانية لوسائل الإعلام المحلية والإقليمية الممولة من طهران بالترويج لرد مزلزل، والتأكيد بأنه «لن يتم إنزال العلم الأحمر من فوق مقام المهدى قبل الثأر لسليماني».

وفى خضم التكهنات خرج الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتصريح بالغ الدلالة عندما قال تعقيبًا على التهديدات الإيرانية عقب مقتل قاسم سليمانى (وتابعه أبومهدى المهندس، نائب رئيس الحشد الشيعي) إن «إيران لم تفز فى أى حرب»، قبل أن يستدرك عبر حسابه الرسمى بـ«تويتر» قائلاً: «لكن طهران لم تخسر أى مفاوضات».

ولم تكتف الإدارة الأمريكية بالتحذير السياسى الوارد على لسان ترامب، بل بادرت على المستويين الدبلوماسى والعسكرى بتوعد طهران برد قوي، وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن «الجيش اتخذ إجراءات دفاعية لحماية الأمريكان فى الخارج، وسنواصل أخذ كل التدابير الضرورية لحماية مواطنينا ومصالحنا أينما كانت فى مختلف أنحاء العالم...».

سيندمون
ودعم تصريح شديد اللهجة صادر عن وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، تحذير إيران عندما سئل: «هل تعتقد أنهم –فى إيران- قد يفعلون شيئًا؟»، فقال: «سيندمون.. نحن على استعداد للذود عن أنفسنا، ولردع المزيد من السلوك السيئ من هذه الجماعات التى ترعاها إيران وتوجهها وتزودها بالموارد.. الكرة الآن فى ملعب إيران.. نحن ننتظر لنرى رد فعلها».

وكإجراء احترازى من الجيش الأمريكي، بادرت عشرات المقاتلات، والمروحيات الهجومية، والطائرات بدون طيار بطلعات جوية فوق قاعدة «عين الأسد» الجوية، بالأنبار فى العراق، وفوق المناطق الغربية للعراق التى تتواجد بها القواعد العسكرية الأمريكية، فيما كشفت مصادر عسكرية عن عمليات استطلاع أجرتها القوات (جوا، وبرا) تحسبًا لأى طارئ.

وفيما بدت طهران كـ«الطير الجريح»، بعد مقتل قاسم سليماني، ورجلها القوى فى العراق، أبو مهدى المهندس، وافقت وزارة الدفاع الأمريكى على إرسال نحو 3500 جندى إضافى للشرق الأوسط، معظمهم من الفرق المتخصصة والمظليين، مع معلومات منسوبة لوزير الدفاع الأمريكى بالشروع فى إرسال قوات أخرى يصل عددها الإجمالى إلى نحو 7 آلاف مقاتل لمواجهة إيران.

وأشارت عملية إرسال المزيد من القوات الأمريكية إلى المنطقة إلى أن إدارة ترامب على استعداد لعمل عسكرى ضد إيران فى حال هددت الوجود الأمريكى بشكل حقيقي، كما استهدفت الخطوة نفسها تعزيز القوات الأمريكية الموجودة بالأساس وبث الطمأنة على خط المواجهة، كما أنها خطوة ضرورية لحماية المواقع العسكرية الأمريكية، وفق «البنتاجون».

تعزيزات
ورجَّحت المعلومات أن واشنطن لن تكتفى بزيادة قواتها، لكنها «سترسل قطع عسكرية بحرية لحماية ناقلات النفط، وتعزز دفاعاتها الجوية والصاروخية لحماية البنية التحتية الحيوية، وترسل مقاتلات شبح، لحماية المنصات الحيوية المحمولة جوًا، مع الحفاظ على حرية الحركة الجوية الأمريكية، ضمن تحركات أخرى لمواجهة أى رد فعل إيراني».

ولم يتوقف النقاش الجاد داخل وزارة الدفاع الأمريكية والمؤسسات المعنية بخصوص التغلب على التحدى الرئيسى الذى يعترض قوة الردع الأمريكية، ممثلا فى إعادة النظر بـ«قواعد الاشتباك»، واستخدام القوة لحماية القوات والحلفاء، ضد أى هجمات (جوا، وبحرا، وأرضا...) فضلا عن الفضاء الإلكترونى والأمن السيبراني.
وتحسبًا لرد فعل من الميليشيات المحسوبة على إيران، والممولة منها، سَّعت الإدارة الأمريكية دائرة تحذيرها، وسربت عبر مسئولين عسكريين أن تصفية قاسم سليمانى مجرد جزء من «قائمة إرهابيين»، فى المنطقة، وأنه من بين قائمة المستهدفين، زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر، وقيادات أخرى ترتبط مباشرة بقوات الحرس الثورى الإيرانى فى العراق.

ولأن الجزء الأكبر من التصعيد بين واشنطن وطهران يعتمد على «الحرب النفسية»، فقد رد الرئيس الأمريكى على تهديدات إيران باستهداف 35 موقعًا أمريكيًا (قواعد، وقوات) باستعداد الجيش الأمريكى لقصف 52 موقعًا إيرانيًا مهمًا بسرعة وبقوة (نسبة لعدد الرهائن الأمريكان الذين احتجزتهم قوات الخمينى فى السفارة الأمريكية بطهران عام 1979)!!.

تحذير
حرص ترامب منذ البداية على تحديد «الخط الأحمر»، للإيرانيين عبر تحذير مبطن من عدم استهداف أمريكيين، حرصًا على أرواحهم، وعدم إحراجه فى الداخل الأمريكى الذى يموج بصراعات ملتهبة بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى على خلفية انتخابات الرئاسة المرتقبة والمنافسة الكبيرة مع المرشح المحتمل للحزب الديمقراطي، جو بايدن.

كانت وزارة الدفاع الأمريكية على قناعة بأن ردّ الجيش الإيرانى سيكون مشابها لموقف النظام على حملة «الضغط الأقصى» التى فرضتها الإدارة الأمريكية على طهران، عبر تشديد العقوبات الاقتصادية، ومحاصرة تجارة النفط الإيراني، وعرقلة تصديره (إقليميًا، ودوليًا) ومن ثم استبعاد خيار المواجهة العسكرية التقليدية أو حتى استخدام هذا الخيار بصورة جديدة.

مخططو السياسات الأمريكية يعرفون أن إيران تُظهر ثباتًا استراتيجيًا ومرونة تكتيكية، تفضّل المراوغة والغموض والخطوات المدروسة والصبر، وفيما تحاول أحيانًا تفادى الخطوط الحمراء للخصم فإنها قد تتراجع نسبيًا فى حالة الرد الحاسم من الخصم، والبحث عن وسائل بديلة، غير مكلفة، والأهم عدم التصعيد مع الإدارة الأمريكية.

ووفق الحسابات الأمريكية فإن إيران رغم ما تُظهره من انتقادات حادة لواشنطن إلا أنها تعجز عن الدخول فى مواجهة مباشرة، وأن أقصى ما يمكن أن تقوم به اللجوء لوسائل غير مباشرة من خلال وكلائها (ميليشيات/فصائل مسلحة) لتهديد الملاحة البحرية فى الخليج أو التعرض لناقلات نفط وبتروكيماويات، والحرص الشديد على عدم سقوط خسائر فى الأرواح لمنع تفجر الأزمة.

سانتينيل
ويقدر النظام الإيراني، لاسيما الحرس الثوري، خطورة التحالف العسكرى الدولى «سانتينيل»، وهى مبادرة عسكرية-بحرية جديدة متعددة الأطراف فى الخليج العربي، تحت إشراف التحالف الدولى لأمن وحماية الملاحة البحرية، وفيما تقود الولايات المتحدة هذه المبادرة فإنها تضم العديد من الدول.

وفيما تتمركز قيادة «سانتينيل»، فى معسكر «السلام» بأبوظبي، فإن قائمة المنضمين لها إلى جانب الولايات المتحدة «بريطانيا، السعودية، الإمارات، ألبانيا، أستراليا، والبحرين»، أبدت دول أوروبية (الدنمارك، إيطاليا، وإسبانيا...) رغبتها فى الانضمام إلى مبادرة بحرية منفصلة بقيادة فرنسا، ردًا على تحرش البحرية الإيرانية بناقلات نفط وبتروكيماويات.

وتتحسب هذه التحركات لقيام إيران بـ«إعاقة حركة الملاحة البحريّة الدولية.. تكرار الهجوم على منشآت نفطية خليجية كما حدث فى 14 سبتمبر ضد معملى شركة أرامكو السعودية فى خريص، وبقيق، أو استهداف منشآت حيوية كمحطات تحلية المياه.. إطلاق عمليات إرهابية أو سيبرانية ضد مؤسسات وقطاعات لاسيما الخطوط الجوية».

دبلوماسية
وبالرغم من لجوء الإدارة الأمريكية إلى سياسة العين الحمراء فى مواجهة إيران بعد مقتل قاسم سليماني، إلا أنها فى الوقت نفسه لم تتخل عن «الدبلوماسية»، النشطة والفعالة، عبر مخاطبة وزيرى الخارجية والدفاع الأمريكيين، مايك بومبيو، ومارك إسبر، لنظرائهم المعنيين بالملف الإيرانى أن ما تقوم به واشنطن «دفاع عن النفس، وأنها لا تسعى إلى أى صراع أو تصعيد».

كما ركزت الاتصالات نفسها على أن «واشنطن لن تتسامح مع أى هجمات على قواتها أو شركائها، وستتصدى لها بكل قوة، وضرورة إبلاغ النظام الإيراني، وخامنئى نفسه، بأن الثمن سيكون غاليا ولن ينتهى الحال بطهران عند المزيد من العقوبات الاقتصادية بل سيتسبب فى عزل إيران نفسها إذا سعت إلى زعزعة استقرار المنطقة.

دوليًا، زادت إيران قائمة خصومها، بعدما فشلت فى اختبار حدود الصبر الأوروبى حيث كانت تحاول تشكيل جبهة موحدة مع شركائها الأوروبيين السابقين فى ملف الاتفاق النووى فى مواجهة إدارة ترامب، حيث انتقلت طهران من الابتزاز إلى التهديد بالتخلى عن بعض الالتزامات فيما يتعلق بالاتفاق إلى إعلان التحرر من خطة العمل الشاملة المشتركة، والتوسع فى الأنشطة النووية.

فى المقابل، راحت التكهنات تتواصل حول رد إيرانى قوى ضد أهداف أمريكية، ومصالح حيوية لحلفاء استراتيجيين لواشنطن بالمنطقة، ارتباطًا بالمكانة المهمة لقاسم سليماني، من خلال قربه من «على خامنئى»، الذى جعله يتخطى القادة العسكريين والسياسيين على السواء ويصبح الرجل الثانى فى دائرة صنع القرار، فضلاً عن دوره الإقليمى فى منظومة المصالح الإيرانية.

العراب
ولم يكن قاسم سليمانى شخصًا عاديًا فى منظومة الحكم الإيرانية، وفى الإشراف على مصالحها فى الإقليم والعالم، حيث كان يجوب أرجاء المنطقة سواء على متن طائرته الخاصة (أو متخفيًا بين ركاب الطائرات المدنية) لمتابعة أعمال الميليشيات والفصائل المسلحة من أفغانستان وباكستان غربًا إلى العراق وسوريا ولبنان وقطر وتركيا لتنسيق الجهود الاستخباراتية-الميدانية.

ظهر هذا من واقع العملية العسكرية النوعية التى أنهت حياته قرب منطقة الشحن بمطار بغداد، وكيفية الإيقاع به ورصد خط سيره من بيروت إلى دمشق ثم العراق، حيث تشير التحقيقات الأولية إلى تعاون شبكة عملاء احترافية داخل مطارى دمشق وبغداد مع الجيش الأمريكي، وهم تحديدا موظفون بمطار بغداد وشركة الطيران الخاصة «أجنحة الشام»، بدمشق.

التحقيقات التى يقودها مستشار الأمن الوطنى العراقي، فالح الفياض، تشير إلى أن شبكة من الجواسيس داخل مطار بغداد سربت تفاصيل توقيت وصول قاسم سليمانى للجيش الأمريكي، فيما كان دور المتعاونين فى «أجنحة الشام»، تحديد موعد وصوله من لبنان إلى مطار دمشق إلى دخله فى سيارة مظللة (زجاجها داكن)؛ بصحبة 4 من مرافقيه.

أحد موظفى شركة «أجنحة الشام»، قال لوكالة «رويترز»، إن اسم قاسم سليمانى ومرافقيه لم يُدرج على قوائم الركاب، خلال مغادرتهم دمشق، فيما أشارت المعلومات إلى أنه تجنّب استخدام طائرته الخاصة بسبب مخاوف متزايدة على أمنه الشخصي، حيث كانت الولايات المتحدة تتابع تحركاته بدقة فى الشهور الأخيرة.

نفوذ
كان قاسم سليمانى العقل المدبر للسياسات الإيرانية فى المنطقة، ووسَّع نفوذ مليشياتها المسلحة التى مكنت إيران من توسيع أنشطتها المزعزعة للاستقرار الإقليمى من بغداد إلى بيروت وصنعاء ومناطق أخرى، لدرجة أن سليمانى كان يعتقد أن واشنطن وحلفاءها الأوروبيين لن يستطيعوا المساس به لأنه يمثل الوجه العسكرى للنظام الإيراني.

الصدمة التى مُني بها النظام الإيرانى أن قاسم سليمانى الذى كان ملء السمع والبصر فى منطقة الشرق الأوسط تبين بعد مقتله أنه بلا شعبية فى المنطقة، وأنه على عكس الحشود التى حركها الحرس الثورى باتجاه محافظة كرمان لتشييع جثمان سليماني، فلم يكن هناك أى رد فعل شعبى لمقتله فى مناطق عمليات الحرس الثورى باستثناء مظاهرة صغيرة الحجم فى باكستان!!

ربما لأن المعظم كانوا على قناعة (كما فى العراق على سبيل المثال) أن قاسم سليمانى هو المحرك الرئيسى للميليشيات والفصائل الطائفية المسلحة المسئولة عن مقتل وإصابة المئات من المحتجّين العراقيين مؤخرًا، فضلاً عن مسئوليته الداخلية والإقليمية عن مقتل الآلاف فى الصراعات التى تغذيها إيران فى عدة دول.

كل هذه المعطيات كانت فى عقل «على خامنئي»، وهو يدرس عملية الثأر.. كان يعرف جيدًا أن تهديداته لواشنطن بعد مقتل سليمانى والمهندس هدفها امتصاص حالة الغضب داخل منظومة الحكم، وبين قوات الحرس الثوري، مع رفع معنويات التيار المحافظ من الإيرانيين، فضلاً عن حفظ هيبة الدولة التى خسرت أحد أهم قادتها العسكريين، إن لم يكن الأخطر.

سيناريو
منذ البداية كان السيناريو الأكثر واقعية يقول إن الرد الإيرانى على المدى القصير سيكون فى المنطقة، على وجه الخصوص فى العراق باعتبارها «الخاصرة الرخوة»، فى عملية الشد والجذب بين طهران وواشنطن، مع استبعاد تنفيذ إيران (ووكلائها) أى عمليات داخل الولايات المتحدة الأمريكية ما لم تستهدف القوات الإيرانية أهدافًا فى الداخل الإيراني.

لم يكن واردًا أيضًا استهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكى بالبحرين ولا نحو 10 آلاف مقاتل وموظف أمريكى بالقرب من شواطئ البلاد، أو استهداف مقر القيادة الوسطى للجيش الأمريكى بقاعدة العيديد القطرية، التى سارع وزير خارجيتها بالسفر على عجل إلى طهران حتى يقدم فروض الولاء والطاعة، وينفى انطلاق الطائرة بدون طيار المنفذة للعملية من قواعد قطرية.

وفيما يتعلق بقيادة «فيلق القدس»، التى آلت إلى العميد «إسماعيل قآني»، فإن مسئولياته السابقة (الإشراف على عمليات الحرس الثورى فى أفغانستان، باكستان، آسيا الوسطى) كانت تؤكد أنها ستتحكم فى اهتماماته اللاحقة وتؤثر عليها، لاسيما أنه خلال الفترة التى كان فيها نائبًا لقاسم سليمانى كان اهتمامه منصبًا على الميليشيات الشيعية الأفغانية والحدود الشرقية لإيران.

الواقع قلل من قيمة الرهان على وكلاء إيران فى المنطقة حيث تعمل فى العراق ولبنان وسوريا أكثر من 100 جماعة وفصيل شيعي، غير أنها ليست على قلب رجل واحد حيث توجد بينها نزاعات كثيرة حول المكاسب السياسية والاقتصادية (كما حركة أمل، وحزب الله فى لبنان) ومع ذلك فمعظم هذه الميليشيات تخدم المصالح الإيرانية بشكل مباشر.

العراق
على الساحة العراقية، تواجه قوات «الحشد الشعبي» الشيعية (تتشكل من ميليشيات مدعومة من إيران ومتطوعين جدد تم تدريبهم ليكونوا جيشًا احتياطيًا بزعم محاربة تنظيم داعش قبل خمس سنوات) أزمة كبرى، دفعت رئيس الحكومة العراقي، عادل عبدالمهدي، إلى إصدار أمر تنفيذى لإصلاح قوات «الحشد»،، التى أضرت ممارساتها بسمعة الحكومة.

وتؤكد المعلومات أن ميليشيات الحشد تمارس أنشطة إرهابية وإجرامية ضد الشعب العراقي، أما أنشطتها الاقتصادية فتشبه أعمال المافيا، ولا تستطيع الحكومة العراقية منعها فى ظل العلاقة التى تربط قيادتها، لاسيما عراب الميليشيات، أبومهدى المهندس، بقاسم سليماني، قبل مقتلهما فى سيارة واحدة، قرب مطار بغداد.

غير أن رئيس الحكومة، عادل عبدالمهدي، رجل قاسم سليماني، وأبومهدى المهندس لم يكن راغبا – قبل مقتلهما- فى الحد من سطوة الحشد رغم القرار التنفيذى الصادر عنه لامتصاص لحالة الغضب بين العراقيين، التى تبدت فى إعلانه منع الحشد من «إنشاء معسكرات، وأنشطة اقتصادية غير مرخصة، وتخزين وتصنيع الأسلحة...»، التى كانت مجرد مسكنات.

وكان المخطط يعتمد على توسيع نفوذ قوات «الحشد»، ونقلها من مواقعها الصغيرة إلى معسكرات أكبر، وإعادة تمركزها بكثافة فى «البصرة، بغداد، نينوى، صلاح الدين، كركوك، والأنبار»، فضلا عن تكثيف تواجدها فى: ريف بغداد، ومحافظة ديالى، ومدينة سامراء، المساحات الصحراوية الممتدة من كربلاء إلى الحدود الشرقية للسعودية.

فشل
غير أن هذه التحركات باتت الآن مهددة بالفشل، لاسيما مشروع توحيد قوات الحشد (60 فصيلاً) تحت القيادة المركزية التى كان يرأسها قائد عمليات القوات، أبومهدى المهندس، لكن هناك محاولات أخرى يقوم بها مسئول الشؤون الداخلية بقوات الحشد، أبوزينب اللامي، لكنها ستأخذ المزيد من الوقت وقد تطول فى ظل التطورات الدرامية بعد مقتل سليمانى والمهندس.

حكومة العراق تعرف أنه ليس مقبولاً من الجانب الأمريكى ما أقدمت عليه ميليشيات إيران فى العراق عندما استهدفت المنطقة الخضراء فى مايو الماضي، وقلب قطاع النفط العراقى بمحافظة البصرة فى يونيو، قرب منشآت يستخدمها مهندسون أمريكيون ودوليين، ردا من النظام الإيرانى على تشديد العقوبات الأمريكية، حينها.

ويعرف النظام الإيرانى أن مسئوليته عن سقوط جندى أمريكى قتيلاً تعنى أن طهران ستدفع فاتورة باهظة التكاليف لواشنطن وفقًا لحسابات وزارة الدفاع الأمريكية التى تؤكد أن الأسلحة الإيرانية (صواريخ.. عبوات ناسفة وخارقة.. القذائف الصاروخية.. بنادق القناصة...) لميليشياتها فى العراق تسببت فى مقتل 608 أمريكيين فى منذ غزو العراق.

وعليه، فقد كانت الميليشيات الإيرانية فى العراق، لاسيما «كتائب حزب الله.. حركة حزب الله النجباء.. عصائب أهل الحق...»، على قناعة بعدم الدخول فى صراع مع الجانب الأمريكي، خاصة فى ظل الرسائل القوية من واشنطن بأن قواتها ستمارس حقها فى الدفاع عن النفس، إذا ما اعتدت الميليشيات المدعومة من إيران على منشآت وقوات أمريكية.

وشكل انحياز القبائل العراقية لقضايا وملفات وطنية متغيرًا مهمًا فى زيادة خصوم إيران، لاسيما فى ظل دور القبائل فى دعم الاحتجاجات الوطنية فى بغداد والبصرة وذى قار وميسان، وتولت عناصر القبائل مسؤولية التخطيط لتكتيكات الاحتجاجات وإقفال الطرقات انتقاما من الفصائل والميليشيات والجماعات المدعومة من إيران لمسئوليتها عن قتل محتجين عراقيين.

لبنان
على الساحة اللبنانية، يعيش «حزب الله»، وضعًا مأزومًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا (بسبب التطورات اللبنانية والعقوبات الأمريكية على الحزب وعلى الاقتصاد الإيراني) كما أن الشواهد التى أعقبت قتل قائد الجناح العسكرى للحزب، عماد مغنية، وقيادات بارزة بالحزب، ولاحقًا هجمات إسرائيل على أهداف تابعة للحزب فى لبنان وسوريا أنه لن يُقْدِم على مغامرة عسكرية.

فى كل هذه المحطات ظل زعيم الحزب، حسن نصر الله، يهدد ويتوعد بالانتقام ويحذّر من ردٍّ قاسٍ وفورى على الهجمات الإسرائيلية بعدما راحت تل أبيب توسّع استراتيجيتها فى سوريا لتشمل لبنان والعراق، مستهدفةً مواقع عسكرية إيرانية تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر لطهران، ومع ذلك ظلت خيارات الرد التى يهدد بها الحزب محدودة!!

وقبل عدة أشهر من مقتل قاسم سليمانى تلقت قوات الحرس الثورى (لاسيما طليعتها فيلق القدس، والميليشيات التابعة له فى عدة دول إقليمية) ضربات متتالية بعدما هاجم الجيش الإسرائيلى قواعد إيرانية فى سوريا والعراق وتحرش ميدانيًا بعناصرها فى لبنان مما أسفر عن مصرع قادة ومقاتلين وتدمير منشآت عسكرية كان سليمانى يشرف عليها.

حينها، هدد قاسم سليمانى -على طريقة حسن نصر الله- بالرد فى المكان والزمان المناسبين، لكن على الرغم من الخسائر الفادحة كانت القيادة الإيرانية على المستويين السياسى والميدانى على قناعة بعدم الدخول فى أى مواجهة عسكرية موسعة مع القوات الأمريكية، وهو ما يرجحه مراقبون، حاليًا، فيما يتعلق بحزب الله اللبنانى الذى يحرص على عدم الدخول فى ورطة كبرى.

قناعة
وبات الجميع على قناعة منذ مقتل عماد مغنية، أن ما يصدر من تهديدات عن حسن نصر الله، هى فقط للاستهلاك المحلي، كقوله خلال تأبين قاسم سليمانى (فى الضاحية الجنوبية لبيروت، فى الخامس من يناير الجاري): «الجيش الأمريكى سيدفع الثمن وسيعود جنوده وضباطه داخل النعوش.. الرد يجب أن يطال القواعد العسكرية الأمريكية، والبوارج البحرية بالمنطقة».

تشاور حزب الله مع مرجعيته فى طهران تضمن عدة تحذيرات للحزب مفادها: الهجوم على أهداف عسكرية أو اقتصادية حساسة داخل إسرائيل سيدفعها لرد عنيف ومدمر، وقد يسبب حربًا شاملةً يجنى الحزب ثمارها المرة، من خلال تدمير المنظومة الصاروخية للحزب وبالتالى تحدث عملية اختلال فى موازين القوة والردع (كما الأرواح) وقد تنتهى بانتهاء الحزب نفسه.

بدورها، تعلم أجهزة المعلومات الأمريكية- الغربية- العربية أن ما يصدر عن حسن نصر الله ليس إشارةً فعليةً إلى أن حزب الله اللبنانى سيتولى الرد العسكرى على المصالح الأمريكية، حتى أنه فى خطابه الأخير لم يذكر اسم إسرائيل، ما يعنى أن تهديداته الأخير مجرد رسالة تذكيرية من النظام الإيرانى بحليفها الأقوى فى المنطقة (حزب الله).

ويواجه حسن نصر الله ورطة حقيقية، منذ استقالة حكومة سعد الحريري، التى كان حزب الله ممثلاً فيها، وتزداد هذه الورطة فى ظل تعثر خطوات تشكيل الحكومة الجديدة، ودور الحزب فى زعزعة الاستقرار الداخلى فى لبنان بعد اعتداء أنصاره على متظاهرين خلال الاحتجاجات التى قاربت على دخول شهرها الرابع.

أزمة
داخليا، يواجه الحزب أزمة مالية طاحنة بسبب العقوبات الأمريكية على النظام الإيراني، التى انعكست بدورها على التمويل السخى لحزب الله، والميليشيات الممولة من إيران فى عدة دول إقليمية، وميدانيا، يعيش الحزب أزمة مكتومة إثر مقتل العديد من قوات النخبة التابعة له فى المعارك الدائرة فى سوريا منذ نحو 9 سنوات، وتواضع إمكانات وخبرات مجنديه الجدد.

وبات حسن نصر الله متأكدًا من فشل أى محاولة غير محسوبة لنصرة إيران، كما أن الممارسات التى قام بها الحزب خلال الفترة الماضية على الساحة اللبنانية ستجهض محاولة تحسين صورة الحزب وزيادة شعبيته استغلالا لمقتل قاسم سليمانى على يد الأمريكان، كون اللبنانيين باتوا يركزون الآن على همومهم الاقتصادية وأزمتهم السياسية التى تهدد بإفلاس لبنان.

فى اليمن، يمثل الحوثيون للإيرانيين منصة إطلاق صواريخ وقذائف متقدمة، ضمن عمليات الحرب بالوكالة التى تغذيها إيران وتعمل من خلالها على مضايقة أعدائها وردعهم بطريقة غير مباشرة وبأقل خطر مواجهة على الأراضى الإيرانية، عبر دعم ميليشياتها بصواريخ المدفعية بعيدة المدى، وتضاف إليها الصواريخ الباليستية طويلة وقصيرة المدى.

وفيما راحت إيران تؤهل قيادة ميدانية حوثية على كيفية إنتاج صواريخ «بدر-1P، الذى يصل مداه إلى 150 كيلومترًا.. صواريخ SA-2 بمدى 250 كيلومترًا.. صاروخ قاهر- M2 بمدى 400 كيلومتر...»، وأرسلت لهم صاروخ «قيام-1» الباليستى (بركان 2-إتش) الذى يصل مداه إلى ألف كيلومتر، إلا أن الأزمة الاقتصادية الإيرانية انعكست على الإمكانات الحالية للحوثيين.

سوريا
وفى سوريا، تشكّل التحركات الإيرانية مكانًا أقل استفزازًا لتنفيذ ضربات متوقعة، وبذلك تتفادى الولايات المتحدة أى انتقادات قد تتعرض لها بسبب تنفيذ الضربة على الأراضى السيادية العراقية ويترتب عن ذلك التحقق عن كثب فى المعطيات المتعلقة بمسؤولية الأحداث لأن بعض الميليشيات قد تسعى إلى توجيه اللوم خطأً على الجماعات المعادية لها.

وبالرغم من قدرة الصواريخ الإيرانية على الوصول إلى إقليم كردستان العراق، فضلا عن قدرة الميليشيات الإيرانية على دخول الإقليم إلى حدٍّ ما، إلّا أنه يبقى أكثر أمانًا من أى مكان آخر فى العراق، ويعود ذلك إلى عدم وجود أى ميليشيات مدعومة من إيران ضمن قوات الأمن التابعة للإقليم (البشمركة).
داخليا، يواجه «خامنئي»، معضلة فى على الاستفادة من أجواء مقتل سليمانى فى مد الجسور مع الجموع الشعبية فى إيران التى واجهها النظام بكل قوة (عبر المعالجة العنيفة للمظاهرات الناتجة عن تخفيض الدعم المحلى للغاز) وخلال خطابه الرسمى الأول بعد مقتل سليماني، طالب خامنئى صراحة بـ«الدعم الشعبي، وأنه لا يزال هدفًا جوهريًا نصبو إليه».

وراح خامنئى يستخدم لهجة حمائمية من عينة أن «إيران قادرة على التغلب على خصومها ليس بالقوة العسكرية، بل من خلال الأيدى الفارغة والقلوب المليئة بالإيمان بالله، وأن أفضل طريقة للاستمرار بالتصدى للخصوم يعتمد على إيمان وتصميم الشعب.. بث الشك فى نفوس الشعب هو ما يسعى إليه العدو، وإذا حدث ذلك فقد يؤثّر على قدرات إيران الهجومية والدفاعية...».

عنف
وفى ظل العصف الإيرانى بالحركات الاحتجاجية المنظمة، والمبادرة بسجن واغتيال قاداتها، يتأكد أن الاحتجاجات الأخيرة عفوية فى ضوء السياسات المؤلمة اجتماعيًا واقتصاديًا لقرار رفع أسعار البنزين، ولأول مرة منذ ثورة الخمينى عام 1979، يتعرَّض مكتب المرشد الأعلى فى «يزد»، لهجوم من محتجين ما يعنى أن «خامنئي»، لم يعد مُحصّنًا، سياسيًا وشعبيًا.

وحاول «خامنئي» التشكيك فى الاحتجاجات والزعم بأنها ممولة من الخارج قائلا: «يعملون باستمرار على إضعافنا عبر المؤامرات السياسية والاقتصادية.. احتجاجات البنزين فى نوفمبر الماضى جرى التخطيط لها فى دولة أوروبية صغيرة خبيثة وبائسة جدًا - التشيك- عندما اجتمع عنصر أمريكى مع مجموعة من المرتزقة والخونة الإيرانيين للتآمر علينا بقضية البنزين».

وقبل خطاب خامنئى شن رجال الدين ومسئولون عسكريون إيرانيون حملة ضد من وصفوهم بـ«الأعداء الأجانب، الذين يشنون حربا عالمية فى الشوارع الإيرانية»، تعقيبًا على الاحتجاجات الإيرانية الضخمة على ارتفاع أسعار البنزين، بالتزامن مع عبور المجموعة الهجومية التابعة لحاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس إبراهام لينكولن» لمضيق هرمز، ما اعتبرته طهران دعمًا للمحتجين.

اقتصاديا، فإن الموازنة السنوية لإيرانية (2020/2021) التى تبدأ فى مارس المقبل لا تتحمل الإنفاق على مواجهة عسكرية كبيرة، خاصة فى ضوء الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تعانيها إيران، الممتدة من الفترة الرئاسية لمحمود أحمد نجاد، والرئيس الحالي، حسن روحاني، فضلاً عن الانخفاض الحاد فى عائدات النفط بسبب العقوبات الأمريكية على طهران.

مغامرة
وفى حال أقدمت إيران على مغامرة عسكرية فإن الحكومة ستحتاج إلى اتخاذ تدابير إضافية مؤلمة لتحقيق التوازن الاقتصادي، حتى تتكيف بالكامل مع فقدان الإيرادات النفطية، علمًا بأن الاقتصاد الإيرانى يعتمد بالأساس على الصناعات النفطية والصناعات المرتبطة بالنفط (البتروكيماويات)، التى تزيد حصتها فى عائدات التصدير عن مساهمتها فى التمويل الحكومي.

ويبدو «خامنئي» نفسه أشد حرصًا من الدفع بإيران نحو مواجهة عسكرية موسوعة تستفز أطرافًا إقليمية ودولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتعطيها المبرر الأخلاقى فى توجيه ضربة قاصمة لإيران وقد تطال مركز الكبرياء، ممثلا فى مشروعها النووي، ما يعجل بسقوط النظام الإيرانى فى ظل أزماته المتراكمة على كل الأصعدة.

ويرى مراقبون أن التحدى الأكبر للنظام الإيرانى فرض عليه اللجوء إلى السيناريو الأقل خطورة رغم كلفته الاقتصادية عبر استهداف الطائرة الأوكرانية بصاروخ، ورغم إنكار الجريمة فى بادئ الأمر، والحديث عن «خلل فني»، من قبل هيئة الطيران الإيرانية، إلا أنهم اعترفوا لاحقًا بالمسئولية التى لفتت الأنظار عن الانتقام لسليمانى ومنعت حربا مباشرةً مع إدارة ترامب.

ويعمل النظام الإيرانى على محاولة التخفيف من طاقة الاحتقان الداخلية والإقليمية عبر تحريك وكلاء إقليميين (ضغط ميليشيات إيران فى العراق على الحكومة وإجبارها على تفعيل مغادرة القوات الأمريكية.. التخطيط لهجمات إرهابية على أهداف غير مؤثرة.. تعزيز معركة الحرب النفسية مع الجوار الإقليمي...) وكلها تحركات تكشف أزمة إيران بعد مقتل سليماني.

ورقة
وتحاول الكتلة التى تسيطر عليها ميليشيات موالية لإيران فى مجلس النواب العراقى اللعب بهذه الورقة، لاسيما «عصائب أهل الحق»، فضلا عن ائتلاف الأحزاب الحليفة لإيران بالعراق (ائتلاف/ تحالف الفتح، برئاسة هادى العامري، زعيم منظمة بدر، التى تعد من أقدم الجماعات الشيعية بالعراق) الذى أحرز بين 40 و47 مقعدًا.

لكن حتى هذا السيناريو سيفقد أهميته فى ظل تهديد الإدارة الأمريكية بقائمة عقوبات قاسية ضد العديد من السياسيين وقادة الميليشيات الإيرانية فى العراق، فضلا عن تعليق التعاون الأمنى والدبلوماسي، ووقف التعاون الاقتصادى بما فيها وقف حماية الولايات المتحدة للأصول العراقية من الدعاوى القضائية؛ وقدرة العراقيين على إجراء معاملات بالدولار الأمريكي.

وها هو خطاب خامنئى بعد ساعات من القصف الهوليوودى لأهداف أمريكية فى العراق، يخلو من أى لهجة عدائية كان يستخدمها فى السابق حيث لم يوجه أى تهديدات لحكومات أجنبية سواء الولايات المتحدة أو حلفاءها فى الإقليم وخارجه، قائلا: «نحن لا نعتبر القوى الإقليمية أو الخارجية التى أبدت أحيانًا تعليقات ضدنا عدوةً لنا.. هى ليست عدوة»!!

الواقع، أنه بعد مقتل قاسم سليمانى أصبحت إيران (وخامنئى نفسه) فى موقف صعب، فعدم الرد سيكون مؤشر ضعفٍ يلقى بظلاله الكثيفة على الصراعات المفتوحة التى تغذيها إيران فى المنطقة، كما أن الرد القوى على مقتله سيعرض النظام الإيرانى ووكلاءه فى الشرق الأوسط إلى مزيد من الضربات الأمريكية، ومن ثم أقدمت إيران على ردها «الهوليوودي- الهزيل» باستهداف صورى لقواعد عسكرية أمريكية فى العراق، دون أى خسائر.