بعد اعتراف إيران بإسقاط الطائرة الأوكرانية .. هل يتكرر سيناريو لوكربي ليبيا؟

الطائره الاوكرانيه المنكوبه
أ ش أ

مثل اعتراف الحرس الثوري الإيرانى، الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، والزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بمسؤلية إيران عن إسقاط الطائرة الأوكرانية بطريق الخطأ، ضربة سياسية قوية للنظام في إيران، وكما أثار الشارع الإيراني عليه، فإنه أثار أيضا تساؤلات حول تكرار سيناريو أزمة لوكيربي والتورط الليبي فيها.
فبعد مماطلة وإنكار وتأجيل، أصدرت إيران، بياناً، تعترف فيه بإسقاط طائرة الركاب الأوكرانية ومقتل 176 إنساناً بريئاً بصاروخ بعد تصاعد الضغوط الخارجية على طهران، هذا الأمر أعاد إلى الأذهان انفجار طائرة البوينج التابعة لشركة بان أمريكان أثناء تحليقها فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية، ونتج عن الجريمة مصرع 259 بريئاً من الركاب والطاقم و11 شخصاً من سكان لوكربي في 21 ديسمبر 1988، وتحمل نظام الرئيس الراحل معمر القذافي المسؤولية، ودفع التعويضات.
وذكر الحرس الثوري أن الطائرة الأوكرانية أسقطت بـ"طريق الخطأ" بعد دقائق من إقلاعها من طهران يوم 8 يناير، أثناء حالة استنفار للقوات الإيرانية تحسبا لرد أمريكي على ضربات إيران الانتقامية، وكان من بين ركاب الطائرة عدد كبير من الإيرانيين الذين يحملون جنسية مزدوجة، بينما يحمل 57 منهم جوازات سفر كندية.
وقال الرئيس حسن روحاني إن إسقاط الطائرة "خطأ كارثي" واعتذر، لكن قائد الوحدة الجوية في الحرس الثوري أمير علي حاجي زاده قال إنه أبلغ السلطات بأن صاروخا أصاب الطائرة يوم تحطمها، مما زاد من حالة الغضب في إيران وتوجه قائد الحرس الثوري حسين سلامي، إلى البرلمان لحضور اجتماع مغلق حيث نقلت عنه وسائل إعلام "نحن مستاؤون من الحادث أكثر من أي شخص".

غليان بالداخل

أحدثت هذه المشكلة حالة من الارتباك في المشهد السياسي الإيراني على المستويين الداخلي والخارجي، فعلى المستوى الداخلي، تدفقت حشود المحتجين الإيرانيين إلى شوارع طهران وكبريات المدن للتنديد بالمرشد الإيراني علي خامنئي ونظام الحكم وكثفوا ضغوطا على المسؤولين الإيرانيين، مطالبين بتنحي المسؤول الأول في طهران، بعدما أقر الحرس الثوري بإسقاط طائرة ركاب أوكرانية بطريق الخطأ في وقت كان يخشى فيه وقوع ضربات أمريكية.
وتجمع عشرات المتظاهرين في مدن شيراز وأصفهان وكرمان وسنندج وسمنان وبروجرد، وردد المتظاهرون هتافات تطالب برحيل المرشد الإيراني علي خامنئي وإسقاط نظام الحكم والحرس الثوري، وانتقلت المواجهات بين حشود المحتجين وقوات الشرطة في غيران إلى ساحة آزادي، رمز الحراك الشعبي والثوري في إيران.
وتساءل إيرانيون على مواقع التواصل الاجتماعي عن سبب انشغال المسؤولين بدفع اتهامات الخارج بدل إبداء التعاطف مع عائلات الضحايا الحزينة، وتساءل آخرون عن سبب السماح للطائرة بالإقلاع في وقت يشهد توترا شديدا.
وكتب رضا بهلوي، ابن شاه إيران الذي أُطيح به على «تويتر» قائلاً "هذا ليس خطأ بشريا، إنها جريمة ضد الإنسانية"، وأضاف "ينبغي أن يرحل خامنئي ونظامه".
هذه الموجة الجديدة من الغضب تزيد من التحديات التي تواجه السلطات الإيرانية التي شنت حملة دامية في نوفمبر الماضي لإخماد الاحتجاجات وسقط فيها 1500 قتيل، كما تبذل القيادة جهودا كبيرة لمنع انهيار الاقتصاد الذي تكبله العقوبات الأمريكية الصارمة.

أزمة جديدة مع بريطانيا

وفي محاولة لامتصاص الغضب السائد في إيران، ومن أجل دعم المؤسسة الحاكمة، أشاد نواب إيرانيون بقادة الحرس الثوري لشجاعتهم في الإقرار بالخطأ، حسبما أفادت وكالة "فارس" التابعة للحرس الثوري الذي يمثل جيشا موازيا أنشئ للدفاع عن نظام الحكم ولاية الفقيه.
كما نقلت وسائل الإعلام عن ممثل خامنئي لدى "فيلق القدس" الذراع الخارجية في الحرس الثوري علي شيرازي، "يرغب أعداء إيران في الانتقام من الحرس على خطأ عسكري"، وسعى مسؤولون إيرانيون إلى وصف كارثة الطائرة بأنها ضربة ثانية لأمة حزينة على مقتل سليماني في الهجوم الأمريكي بطائرة مسيرة.
كل هذه التصريحات تمثل محاولات لامتصاص غضب الشارع الإيراني، وتفادي الدخول في أزمة جديدة تضاف إلى الأزمات التي تمر بها إيران مؤخراً.
أما على المستوى الخارجي تبدو إيران مقبلة على أزمة جديدة مع الدول الغربية وفي مقدمتها بريطانيا، فمن المتوقع أن تشهد العلاقات الإيرانية البريطانية تأزماً، على خلفية اتهام إيران للسفير البريطاني لديها روب ماكير بتحريض المحتجين، ثم اعتقاله من قبل السلطات الإيرانية، والتي نفى السفير مشاركته في أي تظاهرة مناهضة للسلطات، إنما كانت وقفة تكريم لضحايا الطائرة الأوكرانية.
وندد وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب بالاعتقال، وقال إن بإمكان إيران "مواصلة السير نحو وضع الدولة المنبوذة..أو اتخاذ خطوات لوقف تصعيد التوتر وانتهاج طريق دبلوماسي مستقبلا".
وأعلن وزير الخارجية البريطاني أن "اعتقال سفيرنا في طهران بدون مبرّر أو تفسير هو انتهاك صارخ للقانون الدولي"، وقال إن على إيران الاختيار بين "سيرها باتجاه وضع (دولة) منبوذة" أو "اتّخاذ خطوات لتهدئة التوتّر والانخراط في مسار دبلوماسي إلى الأمام".
من جهته، انتقد وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، طهران على خلفية توقيفها السفير البريطاني لفترة وجيزة، داعياً إلى "خفض التصعيد".. وعلّقت وزارة الخارجية الفرنسية على الأمر وقالت في بيان إنها تنتظر "من السلطات الإيرانية أن تحترم كل التزاماتها المنصوص عليها في القانون الدولي".
ويطرح المراقبون تساؤلات عدة أهمها: هل جريمة الطائرة الأوكرانية، واعتراف إيران بها تعمل على جمع المتفرق من أهواء الدول الغربية تجاه النظام الإيراني الخميني، وتطالبه بالتعويض مثلما حدث في أزمة الطائرة لوكيربي، وهل حدود استجابة النظام الإيراني لتلك المطالب في حالة حدوثها؟.
ويشير مراقبون إلى أن إيران تحاول عدم الوصول بالأزمة إلى هذا المنحي، حيث وجه النظام الإيراني من خلال تصريحات وزير الخارجية جواد ظريف بإلقاء بعض اللوم في تحطم الطائرة على ما وصفه بـ"نزعة المغامرة الأمريكية".
وتبقى الأزمة الإيرانية سواء على مستوى مواجهة احتجاجات الداخل، أو على مستوى الخارج ومحاولات إيجاد مخرج لمشكلة الطائرة الأوكرانية، مفتوحة على كل السيناريوهات المتوقعة خلال المرحلة المقبلة.