هل تشهد «إدلب» معركة اللاعودة بين السوريين والأتراك؟

تقرير كتبه: مجدى صالح

لم يستبعد المراقبون أى توقعات بشأن الوضع الأمنى والعسكرى الهش فى شمال سوريا وتحديدا بشأن المواجهات المحتملة بين الاطراف التى تتواجد قواتها فى محافظة إدلب.

هشاشة الوضع أدت إلى مواجهات مباشرة ما بين القوات السورية والتركية للمرة الأولى مما استدعى تحركات دبلوماسية فى اتجاهات عديدة كان اهمها قيام وفد تركى رفيع المستوى بزيارة إلى موسكو لبحث تجنب تصعيد الصراع خاصة أن أطرافا عديدة متشابكة يمكن ان تتورط فى الصراع من بينها روسيا نفسها التى تحارب إلى جانب الجيش السورى فى مواجهة الارهابيين الذين تدعمهم تركيا بشكل واضح.

وكانت المعارك على الأرض قد اكدت تفوقا واضحًا لصالح الجيش السورى على الإرهابيين واستطاع فى الأسابيع الأخيرة ان يعيد سيطرته على عدد من القرى التى كانت تقع تحت سيطرة الميليشيات المسلحة التى تدعمها تركيا بالسلاح والمال. وهو الأمر الذى استفز الأتراك مما اضطر أردوغان إلى توجيه تهديدات للسوريين والروس بالرد خاصة بعد أن فقد ما لا يقل عن 7 من جنوده فى المواجهات مع الجيش السورى.

مما حدًا بأردوغان إلى قيامه بتحذير الجيش السورى وإمهاله حتى نهاية فبراير للانسحاب خلف «نقاط المراقبة» التركية فى إدلب بمسافة يحددها اتفاق سوتشى بين أنقرة وموسكو مهددًا بشن عملية عسكرية.

تحرير سراقب
وكانت آخر انتصارات الجيش السورى هى استرداده مدينة «سراقب» فى شمال غرب سوريا التى تعتبر نقطة تماس مباشر ما بين الجيشين السورى والتركى الذى تتعاون معه ميليشيات من العملاء والمرتزقة..كما تعتبر «سراقب» ذات وضع استراتيجى مهم للجيش السورى تمكنه من السيطرة على الطريق الرئيسى الذى يربط حلب بعدة طرق رئيسة كما أن السيطرة على سراقب تعنى سيطرة الجيش السورى على 5 مدن جديدة وتعنى تحكم الجيش السورى فى مناطق عديدة فى إدلب.

وهو ما حدا بأردوغان إلى ارسال ارتال جديدة من القوات والمعدات العسكرية بلغت اكثر من 150 آلية عسكرية وناقلات جند فضلا عن وحدة من القوات الخاصة التركية لتأمين ما تعتبرها «نقاط مراقبة» فى إدلب وراح الجيش التركى يعزز قواته بمزيد من القوات التى تنذر بتصعيد جديد يمكن ان يؤدى إلى صدام أشد عنفا مما جرى الاسبوع الماضي.

وبعد الضربات المتتالية للجيش السورى ضد معاقل الارهابيين فى ادلب قامت قوات الاحتلال التركى بتصويب مدفعيتها نحو الجيش السورى تتواكب مع ضربات عنيفة من جانب طائرات إف 16 اسرائيلية وهو ما أعتبرها بعض المراقبين أنها تمت بتنسيق مع الاتراك للضغط على الجيش السورى الذى كان يواجه الجيشين التركى والإسرائيلى فى نفس الوقت.

أوغلو يستنجد بموسكو
هذا التصعيد واكبته تحركات من جانب الاطراف المتصارعة على الأراضى تتمثل فى استضافة انقرة لوفد روسى رفيع للاجتماع بوزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو يوم السبت الماضى الذى كان قد صرح بأن زيارة الوفد الروسى «تبحث الوضع فى إدلب».

وأضاف «سنفعل كل ما يلزم لوقف المأساة الإنسانية فى إدلب».

وادعى جاويش أوغلو أن ما استدعاه للقاء الروس هو الوضع الإنسانى للنازحين السوريين فى إدلب الذين اجبروا على ترك منازلهم تحت ضغط المعارك الدائرة بين الجيش السورى والمعارضة المسلحة التى تدعمها تركيا وأمريكا وقال اوغلو: إن آلاف المدنيين أُجبِرُوا على ترك منازلهم بسبب هجوم الجيش السوري. وأضاف أن النظام السورى «زادت هجماته وعدوانيته».

وأشار إلى أن الجانب التركى يعيد تقييم المرحلة التى عمل فيها مع روسيا الضامن للنظام السوري، وأنه اتفق بعد الاتصال بمسئولين روس.

وأمام التصعيد المستمر الذى تشهده محافظة إدلب قدمت طهران التى تحتفظ بعلاقات جيدة مع الطرفين السورى والتركى عرض وساطة فيما بين الطرفين خاصة أن هناك وحدات إيرانية تتواجد على الأرض فى سوريا ويمكن أن تتورط فى معركة إذا استمر هذا الوضع الهش طويلا. كما أن من مصلحة النظام الإيرانى الحفاظ على علاقاته الجيدة بكلا الطرفين السورى والتركى، وفى ظل اقتراب سيطرة الجيش السورى على طريق اتوستراد حلب إدلب. وأعلنت الخارجية الإيرانية مساء السبت الماضى عن استعداد طهران للتوسط بين سوريا وتركيا لتسوية الخلافات بين الطرفين.

وأوضحت الوزارة فى بيان لها أن كبير مساعدى وزير الخارجية وممثل إيران فى مفاوضات أستانة حول التسوية السورية )على أصغر حاجي(، أجرى السبت الماضى لقاء مع المبعوث الأممى الخاص إلى سوريا «بيدرسن» وبحث الجانبان آخر التطورات خاصة فى محافظة إدلب كما تناولا موضوع اللجنة الدستورية وإعادة إعمار سوريا وورشة تبادل المعتقلين والمختطفين وقضية اللاجئين السوريين.

طريق اللاعودة
ورغم وجود تحركات دبلوماسية على الأرض إلا أن روح التفاؤل لم تكن حاضرة بل كان هاجس التصعيد نحو الحرب هو الحاضر فى المشهد بشكل كبير خاصة أن هناك تعارضًا واضحًا فى المصالح ما بين الأطراف المتصارعة فى ظل اصرار تركى على جلب المزيد من المعدات والقوات لكى تثبت أوضاعا لها على الارض وهو ما يعتبره البعض طريق اللاعودة عن الحرب التى بدأت تدق طبولها ويمكن أن تتورط فيها اطراف اخرى بجانب الطرفين السورى والتركى. لأن الطرف السورى الذى أصبح على بعد خطوات من حسم معركة إدلب كاملة لصالحه خاصة ان استعادة السيطرة على الطريق السريع المعروف باسم «أم 5» (أم فايف) سوف يعيد حركة المرور إلى طبيعتها على هذا الشريان الرئيس بين العاصمة دمشق وحلب ثانى كبرى مدن البلاد وعاصمتها الاقتصادية سابقًا.

كما أن التقدّم الذى أحرزته القوات السورية يعنى أن 30 كيلومترا فقط، تتمثل فى 13 قرية وبلدة لا تزال بأيدى مسلحى المعارضة تفصل قوات النظام عن السيطرة على الطريق بالكامل».

ويمتد هذا الطريق السريع من الحدود الأردنية فى جنوب سوريا إلى شمالها، وهو أطول طريق سريع فى البلاد ويمر عبر الحقول الخصبة والمناطق الصناعية وأربع مدن رئيسة.

إدلب إذن هى معركة اللاعودة التى ربما ستسفر عن مفاجآت دامية فى القريب العاجل.