السيسي يقود ثورة إصلاح جديدة فى مصر

مصطفي بكري

مصطفي بكرى
- التعديل الوزارى خلال أيام وحركة واسعة للمحافظين
- إصلاح سياسى واسع.. ورد الاعتبار إلى منظومة الصحافة والإعلام
- حوار مجتمعى حول قانون انتخابات البرلمان ودعوة للإسراع بالمحليات
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بأبعاد التغيير الكبير المرتقب، وكل ما ينشر ليس أكثر من تكهنات، وتحليلات مبنية على بعض المعلومات التى ترددت خلال الأيام القليلة الماضية.

وقد وضح جليًا من خلال بعض المواقف والأطروحات أن الرئيس عبدالفتاح السيسى، يعكف ويتابع بنفسه هذه الملفات التى رفعتها العديد من الأجهزة الرقابية لوضع الرؤية المستقبلية، ومراجعة مواقف العديد من الجهات.

إن من استمع إلى كلمات الرئيس خلال المائدة المستديرة لمنتدى «إفريقيا 2019» يدرك تمامًا أن التغييرات المتوقعة أكبر من كل التكهنات وأن هذه التغييرات ستطال السياسات وليس الأفراد فقط، بما يحق القضاء على إخفاقات الأداء وزيادة حدة الاحتقان المجتمعى، نتيجة هذه الممارسات.

لقد عبر الرئيس السيسى عن أسفه بسبب فشل الحكومة المصرية فى إقناع المستثمرين بالعمل فى مصر قائلاً: بقالنا سنين شغالين، ولم ننجح فى إقناع الشركات العالمية بالاستثمار داخل مصر، وضرب مثلا بصناعة السيارات أو مكوناتها، قائلاً: قلنا هنوفر كل شىء ومع ذلك لم يحدث شىء.

كانت كلمات الرئيس عن فشل سياسات الاستثمار الحكومية هى رسالة لكل من يعنيه الأمر، وتحديدًا وزيرة الاستثمار التى تفرغت فى الفترة الماضية للصراعات الشخصية، وإبعاد كل من تشك فى ولائهم لها شخصيا، والتنكيل بكل من يعارض سياساتها، وآخر هؤلاء الخبير الاقتصادى المتميز د. محسن عادل رئيس الهيئة العامة للاستثمار، الذى أحدث نقله نوعية فى أداء الهيئة، وفجأة تم عزله بلا سبب..

وبعد هذا الاخفاق الذى رصدته الجهات المعنية وتحدث عنه الرئيس فى جذب الاستثمار رغم وجود بنية تشريعية وبنية تحتية جاذبة كان طبيعيًا أن تطرح أفكار أخرى عديدة هى محل دراسة ومن بينها، إلغاء وزارة الاستثمار وتشكيل الهيئة العليا للاستثمار برئاسة رئيس مجلس الوزراء مباشرة، بهدف إزالة العقبات وجذب الاستثمارات..

وهناك رؤية متكاملة سوف تطرح خلال الفترة المقبلة لتحقيق الانسجام الحكومى بين الوزارات والهيئات المختلفة وحسم أية صراعات أو خلافات حول المسئوليات المتضاربة بين بعض الوزارات وبعضها البعض، ومن بينها ضم بعض الوزارات )الآثار، والسياحة( مثالاً، بما يؤدى فى النهاية إلى تقليص وزارات التشكيل الحكومى، بما يحقق عدم التعارض والصدام فى بعض الأحيان..

يدرك الرئيس أن الاخفاق الحكومى، رغم الجهد المبذول من بعض الوزارات، قد تسبب فى حالة احتقان مجتمعى فى الفترة الماضية، كما أنه لم يتم تحقيق إجراءات الحماية الاجتماعية بالشكل الذى يضمن حياة آمنة ومستقرة عند الحد الأدنى للكثير من الفئات الاجتماعية، وهذا الأمر من شأنه زيادة حدة الاحتقان، خصوصا أن الطبقة الوسطى تتآكل بسرعة شديدة لتلحق بالطبقات الفقيرة.

إن أحدا لا ينكر أن الإصلاحات الاقتصادية التى بدأت فى نوفمبر 2016، كانت ضرورة ملحة بعد أن تردت الأوضاع الاقتصادية فى البلاد بسبب ممارسات الأنظمة السابقة وحالة الفوضى التى شهدتها على مدى سنوات سابقة، إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن هذه الإصلاحات وضعت البلاد على الطريق الصحيح.

إن مجلة «الايكونوميست» البريطانية التى خرجت وعلى غلافها في 6/8/2016 عنوان يقول «خراب مصر» هى نفسها التى عادت لتقول فى عددها الصادر فى 16 يوليو 2019 «إن مصر تحقق نموًا اقتصاديًا يضعها فى المركز الثالث عالميًا وفقًا للربع الأول من هذا العام، حيث حققت الصين معدل نمو يصل إلى 6.4٪، والهند 5.8٪ ومصر 5.6٪.

كما أن المجلة ذاتها تحدثت في عدد 25/4/2019 عن الانتعاش الكبير الذى يشهده الاقتصاد المصرى في المرحلة الحالية، وأبرزت المجلة انخفاض عجز الموازنة العامة مقارنة بالناتج المحلى الاجمالى من 12.5٪ عام 2015 إلى معدل لا يتجاوز 7.5 فى السنة المقبلة.

وإلى جانب ذلك رصدت وكالة «بلومبرج» فى 9/11/2019 انخفاض مستوى التضخم لأدنى مستوى فى 9 سنوات وانخفاض التضخم يعكس تراجع أسعار السلع الغذائية، حيث اعتبرت الوكالة أن التراجع في معدل التضخم السنوى يعد أحد أكبر إنجازات البنك المركزى منذ أن بدأت مصر برنامجها الاقتصادى حيث يعد هو الأقل منذ عام 2003.

لقد أعطى الرئيس السيسى تكليفات للحكومة والجهات المعنية بضرورة البحث عن مزيد من إجراءات الحماية الاجتماعية وإعداد دراسات تشمل مبادرات لحماية الفقراء والطبقة المتوسطة تسهم فيها الحكومة بشكل كبير لتخفيف الأعباء من على كاهل هذه الطبقات، وهو ما قد تشهده الفترة القادمة فى ضوء الدراسات التى يجرى إعدادها.

الإصلاح السياسى
لقد احتلت قضية الاصلاح جانبا مهما فى الحوارات والنقاشات التى شهدتها الفترة الماضية، فلا تقدم اقتصاديا دون إصلاح سياسى، والاصلاح السياسى هنا يوجب تفعيل الأحزاب السياسية وتوفير المناخ الدائم لها، وإشراكها فى صناعة القرار، وتهيئة الأجواء لانتخابات ديمقراطية متكافئة تسمح بتداول السلطة فى البلاد. وهو أمر يستوجب إعادة النظر فى النسب المطروحة للقائمة المطلقة والبحث عن نظام انتخابى يتيح الفرصة للأحزاب والمستقلين من كافة الاتجاهات للتمثيل داخل البرلمان، مما يتيح الفرصة أمام تشكيل حكومة توافق وطنى فى البلاد، تمثل فيها الأحزاب والقوى الوطنية المختلفة، وهنا تطرح اقتراحات بأن تكون القائمة 50٪ و50٪ للفردى، غير أن عرض القوانين على البرلمان سيسبقه حوار مجتمعى تشارك فيه الأحزاب والجهات المعنية، وهناك اتجاه للنظر فى إجراء انتخابات المحليات خلال العام المقبل 2020.

وعلى المدى القريب سوف يشهد البرلمان إطلاق حرية مناقشة الاستجوابات ومراقبة الحكومة.. كما طالب بذلك الرئيس، دون تدخل من أى جهة، وبما يرد الاعتبار إلى دور البرلمان الذى فقد كثيرًا من شعبيته داخل الأوساط الشعبية.

ويجب- أيضا.. نقل جلسات البرلمان على الهواء مباشرة لاشراك الشعب فى المتابعة ومراقبة أداء النواب، وهو ما وعد به رئيس مجلس النواب فى وقت سابق.

وإلى جانب ذلك فإن دور الإعلام والصحافة هو من الأهمية بمكان، فالإعلام المصرى الذى اشتكى منه الرئيس كثيرًا، لم يستطع القيام بدوره خلال الفترة الماضية بسبب كثرة الممنوعات وعدم القدرة فى الحصول على المعلومات، مما تسبب فى صرف أنظار الكثيرين عن متابعة وسائل الإعلام والصحافة داخل البلاد، ليتجهوا إلى متابعة القنوات المعادية التي تبث من تركيا وقطر وبريطانيا وغيرها..

إن إصلاح منظومة الإعلام والصحافة يبدأ فورًا بتغيير الهيئات المختلفة وإصلاح المؤسسات الصحفية القومية ورد الاعتبار إلى ماسبيرو وإصلاح هياكله المختلفة وفتح الأبواب أمام الرأي والرأى الآخر فى إطار من المسئولية الوطنية التى تمكن الإعلام المصرى من مواجهة وسائل الإعلام المعادية وحروب الجيل الرابع والخامس على السواء.

موعد التغييرات
إن كافة المؤشرات تؤكد أن التغييرات الكبرى باتت قاب قوسين أو أدنى، وربما تتم دعوة البرلمان خلال هذا الأسبوع أو الأيام القليلة القادمة للتصديق على التعديل الوزارى المرتقب والذى قد يشمل مفاجآت هامة، وبعد الإعلان عن هذا التعديل سوف تتم حركة المحافظين التى ستطال عددًا كبيرًا منهم، خاصة أن تقارير الأجهزة الرقابية، أوضحت تراجع فى أداء العديد من المحافظات فى الفترة الماضية، وكذلك حدوث بعض التجاوزات التى تم التعامل معها سريعًا بالطلب من اثنين من المحافظين بالبقاء فى منازلهم لحين إجراء حركة التغييرات.

إن التوقعات تشير أيضا إلى أن المرحلة القادمة سوف تحمل متغيرات هامة فى السياسات وآليات التعامل ودور الأجهزة الرقابية بما يحقق مزيدًا من الانسجام ومواجهة الفساد، وإنهاء الصراعات وتحديد المهام والسعى إلى التواصل مع الجماهير ومواجهة مشاكلها وأزماتها، وصولاً إلى تحقيق رضى شعبى، ينهى حالة الاحتقان التى لا يمكن غض النظر عنها بأى حال من الأحوال.