ذكرى 22 نوفمبر

د.محمود بكرى

د.محمود بكرى
كلما هلت ذكرى الثانى والعشرين من نوفمبر من كل عام، أتذكر وقائع يوم غريب، ومثير، شكل بداية لأحداث، كانت الوقود الذى أشعل الأوضاع فى مصر كلها، وبلغ حد الثورة على نظام الإخوان، والإطاحة بمندوبهم فى قصر الرئاسة «محمد مرسى» فى مشهد نادر الحدوث فى تاريخ مصر المعاصر.

فى الثانى والعشرين من نوفمبر من العام 2012، كنت واحدًا من عدد محدود من الصحفيين، الذين سمح لهم باصطحاب وفد البرلمان العربي، المغادر إلى «غزة» فى زيارة تضامنية، مع أبناء الشعب الفلسطينى المقاوم، فى مواجهة الاحتلال الصهيونى الغاشم.

حملنا الباص منذ الصباح الباكر، وجاء جلوسى على المقعد الثاني، تماما خلف «عصام العريان» عضو البرلمان العربى المشارك.. فى الطريق إلى ميناء رفح البري، تلقيت اتصالا من مصدر هام فى القاهرة، كان مضمونه أن جماعة الإخوان، ستصدر من خلال مندوبها فى قصر الرئاسة «محمد مرسى» إعلانا دستوريا، سوف يطيح بالنائب العام، المستشار عبدالمجيد محمود، ويكبل أحكام القضاء، ويضع أسسا لحكم ديكتاتوري، ليس له مثيل فى مصر.

رحت أسأل المصدر الذى كان يهاتفنى عن الموعد الذى سيصدر فيه هذا الإعلان الدستوري، فأبلغنى أنه سيتم فى نفس اليوم»مساء»، وأنه تنفيذا لذلك، ولضمان مواجهة أية محاولة تظاهر ضد الإعلان، فقد تقرر دعوة ميليشيات الإخوان للاحتشاد فى الميادين الرئيسية، ابتداء من الساعة الرابعة من مساء هذا اليوم، وتحديدا فرض الخصار المشدد حول دار القضاء العالي، حيث يوجد مكتب النائب العام.

حاولت الحصول على أكبر قدر من المعلومات من مصدرى الخاص، فسألته عن شخص من وقع عليه الاختيار فى منصب النائب العام، ليحل محل المستشار عبدالمجيد محمود، فقال لي»إن الإخوان جاءوا بواحد منهم، كان يعمل فى الكويت، يدعى طلعت إبراهيم، وقد استقدموه خصيصا ليشغل المنصب بالقوة».

هنا أدركت أننا مقبلون على أزمة كبيرة فى البلاد، فرحت أنقل ما لدى من معلومات خطيرة إلى شقيقى الأستاذ مصطفى بكرى عبر الهاتف، والذى قام على الفور بنقلها إلى المستشار عبدالمجيد محمود، وكبار القضاة فى مبنى دار القضاء العالى، المجاور لمقر صحيفتنا «الأسبوع»..ثم رحت أتحدث بصوت منخفض إلى عصام العريان عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان، وعضو الوفد المشارك معنا فى زيارة غزة..وكانت مفاجأة بالنسبة لى أن راح ينفى بشكل قاطع صحة هذه المعلومات، زاعما أن قرارات الدول المصيرية، لا تصدر بهذه الطريقة.

كنا فى هذا الوقت نقترب من منفذ رفح البرى، وما أن اجتزنا البوابات إلى رفح الفلسطينية، حتى توقفت هواتفنا عن العمل، لخروجها عن نطاق الشبكة المصرية..وهكذا رحنا ننجز إجراءات الدخول عن طريق المنفذ، ثم انطلقنا عبر المدن الفلسطينية المختلفة إلى قلب قطاع غزة، وهناك التقينا بالعديد من القيادات الفلسطينية، وفى مقدمتهم د إسماعيل هنية، وزرنا مستشفى الشهداء بغزة، وغيرها من المناطق الفلسطينية، ثم انطلقنا عائدين من حيث أتينا.

فى طريق العودة، وماأن بلغنا منفذ رفح البري، حتى راحت هواتفنا تعمل من جديد، بعد أن دخلنا فى حيز الشبكة.. هنا تلقى عصام العريان اتصالا من القاهرة، جاءنى بعده ليقول لى إن كل ماقلته له ظهر هذا اليوم 22 نوفمبر كان صحيحا..وأن الحشود الإخوانية تحتل الآن ميادين القاهرة..من جانبى رحت أنبهه لخطورة هذا الإعلان الدستوري، وأنه سيشعل الأوضاع فى البلاد، فاستهان بكلامي، بل وراح يسخر وهو يقول(اللى عمله مرسى النهاردة يؤكد المثل الذى يقول -ياما فى الجراب ياحاوي).

كنت حتى هذه اللحظات أتوقع تسلح عصام العريان بالحكمة، ولكنه كان كغيره من رموز الإخوان، الذين ينقضون على الفريسة، فور تمكنهم منها.. ولم يدركوا فى من تخيلوها فريسة، أنها ستفجر نهر الغضب الذى سيطيح بمرسي، والعريان، وكل من على شاكلتهم، وقد حدث فى ثورة الثلاثين من يونية 2013.. ليبقى ما جرى فى هذا اليوم شاهدا على كل طاغية، يستهين بالشعب وإرادته.