الهبوط الأخلاقي

د.محمود بكري

د.محمود بكري
أقول، وأنا فى قمة التعاسة إن الأخلاق تتدحرج فى هاوية، نحو منحدر سحيق.. لا يعرف إلا المصلحة والمصلحة فقط. وفلسفة: أنا وبعدى الطوفان.
الانحدار يعم الكثير من مجالات الحياة.. فقر فى الفكر.. وعجز فى العقول.. وتشوه فى الأحاسيس.. فأين نحن من الطرب الأصيل ؟..أين نحن من الكلمات العميقة المعنى.؟ أين نحن من اللحن الجميل؟..أين نحن من شعراء ذلك الزمان الغابر؟.. بل أين نحن من كل جميل مر بحياتنا؟.

الأغانى الهابطة، انتشرت فى المجتمع كالسرطانات الخبيثة، ولم يحدث ذلك، إلا فى غياب الأجهزة الرقابية فى مصر، وتخليها عن دورها، بعد أن كانت تراقب كافة الأعمال الغنائية فى فترة الخمسينيات والستينيات وحتى التسعينيات من القرن الماضي، وكانت تراجع كافة النصوص الغنائية والألحان قبل توزيعها.
كانت الأغانى تعرض على الرقابة، لمراجعة مايصلح لعقول الشباب، وقيم وأخلاقيات المجتمع.. ومن هنا كان للغناء قيمته فى الترفيه عن النفوس، والترويح عن القلوب ، والرقى بالعقول، فكان الطرب الأصيل، بكل مناحيه، وفروعه، يترجم مسيرة المجتمع، وتذوقه للفن الهادف.

والسؤال، أين دور نقابة المهن الموسيقية، وغيرها من جهات مسئولة؟!.. رغم أن القانون ينص على مسئولية النقابة عن الارتقاء بالذوق العام والحفاظ على المهنة، وردع كل المتجاوزين، ممن يسهمون فى صناعة الأغنية الهابطة والترويج لها من خلال الاستعانة بالصبية الذين يتغنون بمثل هذه الأغنيات.
صحيح أن المشكلة تكمن فى أن من يؤدون هذه الأغنيات الهابطة ليسوا أعضاء بالنقابة، وبالتالى لا تعلم النقابة عنهم شيئا، ولكن يحق للنقابة التقدم ببلاغات رسمية ضدهم؛ لقيامهم بانتحال صفة مطرب، كما فعل الفنان هانى شاكر منذ فترة ضد المدعو «حمو بيكا».

وفى ظل انتشار هذا الغثاء، المسمي «طربا» يبقى السؤال: كيف يسمح أب أو أم لنفسيهما بأن تستمع الأسرة فى المنزل أو السيارة لأغان تخدش الحياء، وتصيب المستمع بأذى فى مشاعره، بما تتضمنه من ألفاظ خارجة عن إطار الذوق؟!. إن ما ساعد على انتشار هذه الأغنيات الهابطة، هو عدم وجود الشاعر الغنائى الحقيقي، فكل من يستطيع الكتابة يمكنه أن يضع نصا غنائيا يحمل توقيعه، وما لم تتم محاربة ظاهرة الكاتب السطحى فستستمر الأغنيات الهابطة؛ لأن الغناء الهابط مسئولية مشتركة بين المنتج والمطرب والمؤلف، وما لم تتوافر الإرادة لدى الأطراف الثلاثة بإنتاج فن راق، فستعيش الأغنية الهابطة، بل وتتطور.

وهو ما يجزم بأن مجتمعنا يعانى إفلاسا فى الكتابة واللحن والأصوات أيضا، بل وذهب البعض إلى إنتاج أغان فردية تتضمن مشاهد عري، لجذب المشاهدين، وبالتالى يحقق الانتشار المطلوب، خاصة فى الأماكن العشوائية، والأدهى هو تخصص بعض الفضائيات فى بث مثل هذه الأغنيات، والتى تنشر الفسق والفجور، وتدعو علنا إلى ممارسة الانحراف، وتلوث- بلارحمة- الذوق العام، والذى بات أسيرا لموجات من السقوط فى هوة سحيقة، ليس لها نهاية!.
أخلاقنا فى حاجة لمراجعة، فكل مايحدث من حولنا، يؤشر إلى تردٍ فى المجالات المختلفة، وهو ماينذر بمخاطر شتى على ماتبقى من قيم المجتمع المصري.