نهر النيل (3)

د.محمود بكري
بقلم - د.محمود بكري

ارتبط المصريون القدماء بأسطورة عروس النيل، ومفادها أن المصريين القدماء؛ عرفانًا بجميل النيل عليهم، بفيضانه السنوى، وعدم خذلانهم.. وكنوع من التضحية لهذا النهر العظيم، كانوا يختارون فتاة جميلة في عمر الزهور، وعلى أن تكون بكرًا، ويلبسونها أفخر الثياب، ويزينونها بأبهى زينة، وكأنها عروس ستزف إلى عريسها، ويقومون بإلقائها في النيل، لتكون عروسًا له، ولم تمت هذه الأسطورة للحقائق التاريخية بصلة، فالمصرى القديم كان متحضرًا، ويملك حضارةً عريقةً، وكان من الثوابت الدينية لديه عدم تقديم قرابين بشرية، فكيف يُلقى بالفتيات في مياه النيل؟.. ولذا فإن كل ما يثار حول هذه الأسطورة أخطاء تاريخية، تستهدف تشويه الحضارة المصرية العريقة، وخاصة أنه لم نجد أى نقش أو أثر أو دليل أو نص مكتوب على جدران المعابد والمقابر، أو على المسلات فيه ذكر لهذه الأسطورة.

ومن المؤكد أنه لو كان هذا الأمر حقيقة لسجله الفراعنة، وعندما جاء الفتح الإسلامي إلى مصر عام 21 هجرية، الموافق عام 642م، كان واليها سيدنا "عمرو بن العاص" يحدد قيمة الضرائب والخراج على الأرض الزراعية، مثلما كان يفعل المصريون القدماء، حسب كمية مياه الفيضان زيادةً ونقصانًا، ولذلك فقد أنشأ مقياس النيل بجزيرة الروضة، بغرض معرفة مستوى فيضان النيل، وهل هو منخفض؟ أم متوسط؟ أم عالٍ؟.. وعليه يتم رسم الخريطة الزراعية للموسم الشتوى الذى يلي الفيضان وتقدير حجم المحاصيل المتوقع.. ومن ثم تقدير قيمة الضرائب والخراج على الأرض الزراعية.

وقد كشفت الوثائق والبحوث والخرائط القديمة والتي تمتلكها الهيئة المصرية العامة للمساحة لأفرع النيل، قديمًا، وأهمها، خريطة يعود تاريخها ليوم 13 نوفمبر عام 1798م، لجون والس، أحد علماء الحملة الفرنسية، الذين اصطحبهم نابليون بونابرت قائد الحملة معه، وتكشف عن أن نهر النيل كان يتكون من 7 فروع فى الدلتا، من الشرق إلى الغرب والتى اختفى منها حاليًا 5 أفرع، وكتب على الخريطة أنها توضح بصورة موسعة المعالم التى اعتبرها الفرنسيون وقت حملتهم على مصر هامة، وتكشف هذه الخريطة عن أن نهر النيل كان يصل إلى سيناء بفرع يسمى البيلوزى، وتمت تسميته بهذا الاسم نسبة إلى بلدة "بيلزيوم" وهي مدينة "الفرما" حاليًا التي تقع شرق مدينة بورسعيد على مسافة 28 كيلو متر منها، وهذا الفرع اختفى، والفرع الثانى هو "التانيسى" فى محافظة الشرقية، والذى كان يتجه نحو الطرف الشرقى لبحيرة المنزلة وقد اختفى أيضًا، والفرع الثالث يسمى "المنديزى" والذى كان يمر بمحافظة الدقهلية، وقد اختفى أيضًا، والفرع الرابع هو الفرع "الفاتيمى" وهو فرع دمياط، وهو موجود حاليًا، والفرع الخامس هو الفرع "السبنيتى" الذى كان يمر فى محافظة الغربية، وتمت تسميته بهذا الاسم نسبة إلى البلدة التى كانت تسمى "سبنيتس" وهي مدينة "سمنود" حاليًا، وقد اختفى حاليًا، والفرع السادس كان يسمى الفرع "البولبيتى" وهو فرع رشيد، وهو موجود حاليًا، والفرع السابع والأخير كان الفرع "الكانوبى" وكان موقعه بين محافظتي البحيرة والإسكندرية حاليًا، وهو غير موجود حاليًا.

"وإلى العدد المقبل"