"مشالي" فوق دفاتر الشعراء

إبراهيم فودة

لما دخلَ عضُد الدولةِ بن بُويه بغدادَ منتصرًا، قَتلَ الوزيرَ ابنَ بقية البَغدادي، وصلبَه في ساحةٍ كبيرة، وأمر الحراسَ بالبقاء حوله وإشعال النيران ليلًا كي لا يُنزله أحدٌ...

كان المنظرُ مهيبًا، ولا تملك العيونُ إلا أن تكونَ سواكبَ؛ فقط يبكون ولا يقدرون على شيء. حتى دخل ابنُ الأنباري - الشاعرُ - بغدادَ... وحين رأى الجثمانَ مصلوبًا، نظمَ قصيدته التي قلبت الموازين.. وجعلت من مشهدِ الإهانة منظرًا للمهابةِ. بل فتحت آفاقًا جديدة للتصوير الشعري القادر على تغيير المعادلة وحسم القضية لصالحه، وفيها يقول:

عُلُوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ
لحقٌّ أنتَ إحدى المعجزاتِ

كأنًّ الناسَ حولكَ حين قاموا
وفودَ نداكَ أيّامَ الصِّلاةِ

ثم قال:

ولمَّا ضاقَ بطنُ الأرضِ عن أن
يَضُمَّ عُلاكَ من بعدِ المماتِ

أصاروا الجوَّ قبرَكَ واستعَاضوا
عن الأكفانِ ثوبَ السافياتِ.

إلى آخرِ تلك القصيدة التي تُعد أعظمَ ما قيل في مصلوبٍ، حتى أن عَضُد الدولة تمنَّى لو كان هو المصلوب وقيلت فيه.

وهكذا يكونُ التكريم الشعبي هو أصدقُ أنواعِ التكريم، والإهانة الشعبية أيضًا، فكم من مُتوَفٍّ أو قتيلٍ زاده الشعبُ رفعةً بقصيدةٍ أو أغنية أو ملحمة صُنعت من أجله، وكم من مُشيَّعٍ على مدافعَ حربيةٍ تجرها الخيولُ الملكية حَط الشعبُ من قَدره وسيرته.

وفي تلك الأيام المباركة، غيَّبَ الموتُ رجلًا من أنبلِ من أنجبت مصر: طبيب الغلابة الدكتور محمد مشالي، وقد أفنى حياتَه في خدمةِ الفقراء، وتطبيب أوجاعِ الأطفال... مئاتُ الحالات يوميا يعالجها بجنيهاتٍ معدودةٍ إن وُجدت، وإلا فإنه يوفر الدواءَ أيضًا بالاتفاق مع أحد الصيادلة.

إنه الدكتور مشالي، الذي لم يهتم بملبسٍ أو مسكنٍ أو سيارة فارهة؛ بل يجوبُ الشوارعَ على قدميه وهو في عقده الثامن، ليعالج طفلًا في حارة نائية... وقد عُرضت عليه عيادة فارهة، وامتيازاتٌ خيالية، فرفض إلا أن يكون بين الفقراء.. كان يُردد مع النبي قولَه: اللهم احشرني في زمرة المساكين.

رحلَ مشالي، فتبارت الأقلامُ والفرشُ تصنع له القصائد والجداريات، وتسابقت المنظماتُ والدول تُقدم المناعيَ وتظهرُ الأحزان، وانتشر الأفرادُ يرْثونه رثاءً شعبيًّا فريدًا امتلأت به صفحات التواصل.

وسيظل دورُ الشاعر هو أسمى الأدوار في تصويرِ الحقيقة، والتعبير عن مشاعر المجتمع، فلا زال الشعراء يضعون على عاتقهم الحفاظَ على هُويةِ المجتمع وأصالتِه.

ففي رثاءِ الدكتور مشالي قال الشاعر الكبير الأستاذ إيهاب عبد السلام على نغم المتقارب:

تَحيّرَ فيك الوفا والرضا
كأنكَ وحدَك جيلٌ مضى

كأنك دَيْنُ صروفِ الزمان
وحقّ غيابُك لما انقضى

ملأتَ الحياةَ فلما رحلتَ
تركتَ فراغًا بحجم الفضَا

أخالُ المماتَ وقد زارَه
توقّفَ في خجلٍ مُعرضا

وجوهُ الغلابةِ لاحت له
ولا بد من فعل أمر القضا.

وكذلك رثاه الشاعر الكبير الأستاذ محمد ناجي على نغمِ الوافر قائلًا:

مَضَىٰ في الناسِ لَمْ يَضْرِبْ حِجابَهْ
وماتَ بِغَيْرِ صَخْبٍ أو خَطابَةْ...

وَعَىٰ أنَّ الطبيبَ رسولُ لُطْفٍ
لإنسانيَّةٍ جَعَلَ انتِسابَهْ

تَنَسَّكَ في عِيادتِهِ بطَنْطا
فكانَ لكُلِّ مِسكينٍ إثابَةْ

مَشالي كنتَ للفُقَرا نَبِيَّــًا
فتَأْسُوهُمْ وهُمْ مِثْلُ الصَّحابَةْ

وما التبليغُ والتطبيبُ إلا
شُكُولٌ، بَيْنَها صِلَةُ القَرابَةْ

فذا لِسلامةِ الأجسامِ عَوْنٌ
وذاكَ لِبُرءِ أرواحٍ مَثابَةْ

محمدُ قد طَوَاكَ الموتُ عنَّا
سِوَاكَ فمَا طبيبٌ للغلابَةْ.

وهكذا أبدعت الدكتورة ريم سليمان الخش، قصيدة على نغم الوافر اخترنا منها:

بلَمسته التبرؤ كالمسيح
تجلى في تفانيه الفصيح

يداه كجنتين بألف بابٍ
مشرّعة بإكرامٍ مريح

وقلبٌ كالذُكاء يفيض دفئًا
يُدثِّرُ كلّ خفّاقٍ جريحِ

لتبتسمَ الجوارحُ في خشوعٍ
وقد برأت من الوجع المطيحِ...

إلى أن تقول في نهاية قصيدها:

لنجعل من تراحمنا كتابًا
به تُمحى معاناة الجروحِ

ولعل أقلامًا أخرى قد كتبت ولم أعلم بها، وسيظل الدكتور مشالي دائمًا في قلوب الفقراء وفوق دفاتر الشعراء مثالا للعفة والنُّبل.

وعليَّ في النهاية أن أنقلَ بعض الاقتراحات لتكريم لائق:

- أن تظل عيادته مفتوحة للفقراء، ويتناوب عليه المخلصون من أطباء مصر كصدقة جارية على روحه.

- كما ندعوا الحكومة أن تطلق اسمه على صرح يتناسب مع شعبيته الجارفة كمحطات المترو مثلًا.

كتب هذا المقال: مهندس طيران إبراهيم فودة

[إبراهيم فودة]
مواضيع أخري لهذا الكاتب