الخيانةُ من توفيق إلى السراج.

[إبراهيم فودة]
إبراهيم فودة

ظلت الأسرةُ العلوية - محمد علي وأبناؤه - تحكم مصرَ قرابةَ قرن ونصف [١٨٠٥م - ١٩٥٢م]. ولكن أسماء قليلة فقط ستظلُ راسخةً في ذهن المصريين من بين ذلك الجمعِ من الولاة والسلاطين والملوك...، ستتذكر الأجيالُ محمدَ علي، مؤسسَ مصر الحديثة؛ والخديوي إسماعيل، صاحبَ الإصلاحاتِ المتعددة والقصورِ الفارهة والديونِ المكبلة أيضا...، وسيُسقِطُ التاريخ أسماءَ كثيرة، ذاك أن الشعب المصري اعتادَ أن يتذكر محاسنَ الموتى فقط، ولكنه بهذا الاعتياد لا يُغفل مساوئهم، وإنما يُسقطها عمدًا كعقابٍ سلبيٍّ على أفعالِهم المَشِينة.

كان الخديوي إسماعيل مُفعمُا بالجمالِ الأوروبي، طامحًا في إنشاء دولةٍ حديثة يتفوق جمالُها على جَمالِ البلاد التي تعلمَ فيها - النمسا وفرنسا - وفي سبيله لذلك أثقلَ كاهلَ الدولة بالديون، فبرزت مخالبُ الأوروبيين من مكامنها... ضغطتْ بريطانيا وفرنسا على السلطان العثماني، فأصدرَ فرمانًا بعزل إسماعيل [٢٦ يونيو ١٨٧٩م] وتعيينِ ابنه الخيوي توفيق...

[الخديوي إسماعيل]

كان الابنُ حاقدًا على أبيه، فارتضى أن يُودَع أبوه المنفى، وأقصى رجالَه عن دائرة الحكم، كما ارتضى أن يُصبح لُعبة في يد الأوروبيين... وفي تلك الأثناء - يناير ١٨٨١م - قام أحدُ ضباط الجيش وهو الأميرلاي (العميد) أحمد عُرابي واثنان من زملائه، بتقديمِ عريضةٍ إلى الخديوي يعلنون فيها استياءَهم من التدخل الأجنبي في شئونِ مصرَ الداخلية، كما طالب بزيادةِ عددِ الجيش والسماحِ لأصحاب الأصل المصري بالترقي تأسّيًا بأصحاب الأصل التُركي...، لم يستجب توفيق، وأمرَ باعتقال عرابي وزميليه، فقامت ثُلة من الضباطِ المصريين بتحريرهم، وانضم الشعب إلى الجيشِ في مظاهرةٍ حاشدة نحو قصر عابدين، فاستجاب الخديوي إلى مطالب عرابي الذي أعلن له أن المصريين أحرارٌ وليسوا عبيدًا لأحد...

وفي بداية عام ١٨٨٢م تشكلت حكومةُ البارودي، وأصبح عرابي وزيرًا للحربية. لم يسترح الخديوي لتلك الصحوة فدبّرَ مؤامرته مع الأوروبيين... أرسلتْ انجلترا وفرنسا تُعلنان دعمهما للخديوي، وتحركت الأساطيلُ نحو الإسكندرية، قاوم عرابي ولكن الخديوي خانَ ورحّبَ بالانجليز؛ بل أعلن عصيانَ عرابي وسانده في ذلك البابُ العالي بتركيا... أراد عرابي أن يردمَ قناة السويس ليمنع الانجليز من استغلالها إلا أن الفرنسي دليسبس أقنعه أن القناةَ حيادية لن يمر الإنجليز عبرها... ومروا. دخلَ عرابي معركةً تلو معركة، وتلقى خيانةً تلو خيانة، حتى هُزم في معركة التل الكبير... فرسخت قدمُ الإنجليز في مصر وبدأ الاحتلال الذي استمر ٧٤ عامًا [١٨٨٢م - ١٩٥٦م].

[أحمد عرابي]

تُوفي الخديوي في يناير من عام ١٨٩٢م، ولكنه مات قبل ذلك بعشَرةِ أعوام حين خانَ وطنَه وسمح للأغراب باحتلاله والسيطرةِ على مُقدَّراته. وتُوفي عرابي منكسرًا بعد ٢٠ عامًا من النفي والتعذيب إلا أنه مازال حيًّا في ضميرِ كلِّ وطني يرفضُ الاستعبادَ والمهانة... والآن، حين تسألُ عشرة أفرادٍ عن عرابي وتوفيق لا شك أن معظمهم سيعرفون عرابي ويفخَرون بثورتِه، أما توفيق فلا...

...ليبيا...

تتشابه الأحداثُ، ويحاول التاريخُ أن يكررَ نفسَه، خطوةً بخطوة. ثورةٌ تقلب نظامَ الحكم.. ثم حكومةٌ بتكليفٍ دولي.. فدولٌ تفرض سيطرتَها على الأرض.. تضييقٌ على الجيش ومنعُ تسليحه دوليًّا.. إرهابٌ يرتع وجيشٌ يئن.. يخرج من بين الصفوف ضابطٌ يحاول أن يحذوَ حذوَ عرابي.. يطالب بالتسليح.. ويقوم بالحشدِ والتدريبِ والتطوير.. يُعيَّن وزيرا للدفاع.. ويُعيد للدولةٍ بعضًا من هيبتها الضائعة.. إلا أن تلك الصحوة لا تُرضي الخديوي - السرَّاج هذه المرة - فيستدعي الأتراكَ ويستجلبُ المرتزقةَ من جميعِ أنحاء العالم.. وهكذا تُستنذف ثرواتُ الشعبِ المسكين من أجل كرسي الخديوي.

[السراج وحفتر]

ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أجرأ هؤلاء الذين لا يستحون. كانت مصر - وستظل - هي حصنُ العرب الذي يلجأون إليه حين تتحطم المجاديفُ على صخورِ الأهوال، فبينما كانت ليبيا تمتلك حدودًا مع ست دول [مصر - السودان - التشاد - النيجر - الجزائر - تونس] لم يُقم الإيطاليون سلكًا شائكا إلا بين مصر وليبيا، ذاك أن إمدادَ المقاومةِ كان يأتي للثوار من مصر ليس إلا... وهكذا لم يسقط المختارُ إلا بعد انقطاع الإمداد المصري عنه.

استوعب الليبيون الدرسَ، وأحسنوا الربط بين توفيق والسراج، وطلبوا العون ممن لا يتأخرُ عنه... ذاك أن أمن ليبيا من أمن مصر...

سيظل عرابي حيًّا في قلوب المصريين، وسيتناسى التاريخُ السراجَ كما تناسى توفيق من قبل.

مواضيع أخري لهذا الكاتب