السجينة.. والقاضي

الدكتور محمود بكري
د. محمود بكري

قصة يجري تداولها منذ فترة.. أردتُ إعادة نشرها؛ لعلها تُحدث أثرها، وتفتح قلوبًا مغلقةً عن الخير لصالح الفقراء والمعدمين.. وتلك تفاصيلها.
عُرف عن القاضي (هشام الشريف)، رئيس دائرة جنح مُسْتَأْنَف حُلوان في التسعينيات.. أنه كان رحيمًا، وعاِلمًا في نفس الوقت.. ومُلتزِمًا بآداب المَحكمة، ودودًا مع المُحامين.

وكان المتهمون يطمئنون لأحكامه، حتى التي يحكم فيها بالعقوبة؛ كان المتهم يخرج من القاعة راضيًا مطمئنًا بأن حُكم هذا القاضي هو غاية العدل والرحمة..

وكان يخفض الكفالات للمواطنين المعسرين، وأحيان كثيرة كان يدفع من ماله الخاص.
وفي جلسة من الجلسات عُرِضَت عليه قضية هزّت محكمة جنوب القاهرة في باب الخَلق.. حين نودي على اسم المتهمة (وكان لا يضع النساء داخل القفص)، وكانت تُحاكَم بتهمة تبديد مبلغ عليها وعدم السداد..

دخلت المتهمة بقاعة المحكمة وكانت امرأة عمرها قارب الخمسين، كانت محبوسة ولم يُفرَج عنها لعدم قدرتها على السداد (وحالها وفقرها واضح بجلاء للناظرين) فسألها القاضي:

يا ست (فلانة) ما دفعتيش الـ7000 جنيه ليه لـ(فلان)؟

وبصوت الباكي الخائف المرتعش أخبرته المسكينة أن المبلغ ليس 7000 جنيه، وإنما هو في حقيقة الأمر 1000 فقط (كانت قد اشترت بها بضاعة من التاجر، ووالد المحامية الحاضرة في الجلسة)، وأنها كانت تدفع له 60 جنيهًا كل شهر، لكن حصل لها ظروف منعتها من السداد، فرفع عليها دعوى.. التفت القاضي للمحامية ابنة (المشتكي) وسألها بأدب وهدوء:
كلام الست حقيقي؟..

فأنكرت المحامية معرفتها بالحقيقة.. فما كان من القاضي إلا أن نظر إلى المتهمة، وسألها عن حالها وبيتها (فعلم منها أنها أرملة وتعول 3 بنات)..

فنظر إليها بمنتهى الشفقة والرأفة، وقال: "هتتحل إن شاء الله"، وأمر برفع الجلسة، وقبل أن يدخل غرفة المُداوَلَة وَجَّهَ كلامه إلى المحامين الحاضرين بالقاعة قائلاً: أعلم أنكم أصحاب فضل ومروءة، ولن تتأخروا عن فِعل المعروف، وأخرج مِنديلاً كان في جيبه، ووضعه على المنصة؛ ثم أخرج من جيبه مبلغًا من المال وقال: (هذه 500 جنيه) هي كل ما معي، ولا أدري مَنْ مِنَ السادة المستشارين سيشاركني، لسداد دين هذه السيدة، وشكر الحاضرين، ودخل غرفة المُداوَلَة.

وبدأ المحامون في التباري في الدفع، فبدأ أحدهم بـ1000 جنيه، ثم توالى الباقون بوضع المال بالمنديل الذي تجاوز الـ(8000 جنيه)؛ وكانت المحامية ابنة صاحب الدَّين قد خرجت بسرعة إلى خارج قاعة المحكمة لكي تتصل بوالدها، وتخبره بما حدث بالقاعة، وعادت المحامية إلى القاعة، ونودي عليها حين أدخل القاضي المتهمة إلى غرفة المداولة، وأشار إلى المحامية قائلاً: "فيه 7000 جنيه موجودة بالمنديل تقدري تأخديه وتتصالحي مع المتهمة ونمشيها لبيتها"..

ولكن المحامية قالت: إنها سألت أباها وأخبرها بألا تأخذ أكثر من (500 جنيه) هو المبلغ المتبقي على المتهمة.. فشكرها القاضي، وابتسم ناظرًا للمحامين، وقال: "أظن أن المحامية أخذت الـ(500 جنيه) بتاعتي".. فضحك الجميع، وقاطعهم قائلاً: وأظنكم لا تريدون أن يحرمكم الله ثواب المشاركة.. وعلا صوت المحامين في الغرفة بالتأييد.. فنظر القاضي إلى المتهمة، وقال باقي (8000 جنيه هذه من الله لكِ وللبنات)..

وضجَّت غرفة المداولة بالتهليل والتكبير الذى سرى إلى قاعة المحكمة، وهتف كل مَن فيها، فهرول كل الحاضرين في المحكمة إلى هذه القاعة ليعلموا ماذا حدث؛ فعلموا بأن ما حدث هو أنه كان يوجد قاضٍ رحيم يتق الله في خلق الله وخرجت المسجونة المَدِينَة، ومعها مبلغ لم تكن تحلم به، هكذا كان القضاة.. كم نحن بحاجة لهؤلاء فى زمننا..

(العدل فوق القانون، والرحمة فوق العدل).