الغلابة

هالة فاروق
هالة فاروق

كالمعتاد، وجدت السوشيال ميديا موضوعا، وتلقفه الإعلام ليصبح حديث مصر كلها هو (العسكري) وسيدة القطار.
والحكاية تتخلص في مشادة بين شاب يرتدى الملابس العسكرية ومسئولي القطار، الجندي لا يحمل تذكرة، والآخر يطالبه ب22ج، فما كان منه إلا طلب تسليمه في المحطة القادمة!!

وفجأة، وبلا مبرر، تطور الأمر لإهانات موجهة من رئيس القطار والمحصل للجندي، فتدخل الركاب للتهدئة.
شعر المجند بالحرج، وربما بالذل، فترك مكانه، استعدادا لتسليمه، وهنا انتفضت سيدة مصرية بسيطة، مثل ملايين الأمهات المصريات، ومنعته، وأصرت أن تدفع عنه.

لن أتوقف كثيرا عند فعلها، لن أتساءل عمن التقط الفيديو ونشره، لن أتناول صلف مسئول القطار وسوء تعامله أثناء تأدية مهام وظيفته، لن أكرر ما قيل عما تدفعه القوات المسلحة لهيئة السكك الحديدية سنويا مقابل ركوب أفرادها، ولن أتحدث عن مجازاة مسئولي القطار، وتصريحات وزير النقل وبيان القوات المسلحة، فكل هذا قتل بحثا عبر الإعلام.

وأيضا لن ألقي بالاتهامات جزافا لباقي الركاب بانعدام الرحمة والنخوة والشفقة، وغيرها مما تشدق بها البعض كمحاولة للحاق ب(التريند)، فعدم قيام شهود الواقعة بفعل إيجابي ليس بالضرورة تخاذلا، بل غالبا لعدم توفر مبلغ 22ج قابل للاستغناء عنه، ربما فكر أحدهم في المساعدة، لكنه تراجع حينما اكتشف أن ما في جيبه لا يكفي، أو أنه في حاجة إليه لشراء طعام لأولاده، أو دواء لوالديه، وغيرها من الأولويات الحياتية.

إن ما لفت نظري حقا، حالة الجندي، وإصراره على رد الدين، بحثه المحموم داخل (المحفظة) شبه الفارغة، والتنقيب وسط محتويات شنطته، وتفتيش متعلقاته، في محاولة للعثور على ما يكفي!!

أخفت الكمامة ملامحه، وتعبيراته، لكنها لم تخف شعوره بالانكسار، وإحساسه بالمهانة والفقر، ربما كانت دعوته الوحيدة - في تلك اللحظات- أن يجد 22ج!!

ترى كيف أكمل طريقه بعد أن نفدت نقوده القليلة؟ هل كان باله مشغولا بأسرة تنتظر منه تلك الجنيهات الضئيلة؟!
لقد اهتم الجميع بتحية سيدة القطار، وسعت الجهات المسئولة للاحتفاء بها، ولم يحاول أحد معرفة أحوال المجند واحتياجاته!!
لقد قدمت السيدة معروفا ولم تنتظر المقابل، فانهالت عليها الهدايا، لكن أين دور الدولة والمجتمع في دعم هذا الشاب وأمثاله، وهو الأحق بالدعم والمساندة!!

لم أختر (سيدة القطار) كعنوان رغم أنه التريند حاليا، واخترت (الغلابة) لأن هذا هدفي من المقال، مطلوب نظرة للغلابة.