بعد قمة كورسيكا هل ترتدع تركيا ؟

صالح أبو مسلم
صالح أبو مسلم

تشهد العلاقات الأوروبية مع تركيا مزيدا من التصعيد والوعيد بسبب الاستفزازات التركية في شرق البحر المتوسط وبما تقوم به تركيا من عمليات تنقيب غير مشروعة تمس الحقوق المائية والسيادية لكلٍ من اليونان وقبرص العضوين في الاتحاد الأوروبي ، إضافة إلي التدخلات التركية غير المشروعة في ليبيا وبخاصة ما يشهده الغرب الليبي من تصدير أردوغان للأسلحة والإرهابيين والمرتزقة لمساندة حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج وارتكاب تركيا لخروقات تمس قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بمهمة إيريني بالمتوسط لمنع تصدير الإرهابيين والأسلحة إلي طرابلس وتداعيات ذلك علي أمن واستقرار المنطقة وبما يهدد المصالح الأوروبية، وتسبب سياسة أردوغان وحكومته في تعقيد حل الأزمة الليبية وانتشار الإرهاب وتصدير اللاجئين والمهاجرين عبر المتوسط إلي أوربا ، ناهيك عن التدخلات التركية غير المشروعة في سوريا والعراق بهدف استعادة أمجاد الغزو العثماني ، وتهديد تركيا لأمن واستقرار دول المنطقة من خلال استضافتها وتوظيفها للتنظيمات والميليشيات الإرهابية ،ولهذا فقد كانت فرنسا من أوائل الدول الأوربية التي تقف بالمرصاد للتصرفات التركية غير المشروعة في شرق المتوسط والمنطقة ، ومن ذلك دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا لإقامة قمة أوروبية مصغرة بجزيرة كورسيكا الفرنسية المطلة على البحر المتوسط والتي اجتمع خلالها رؤساء دول وحكومات فرنسا واليونان وقبرص ومالطا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال لبحث الاستفزازات التركية غير المقبولة واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف التحركات التركية الأحادية الجانب وعمليات التنقيب غير المشروعة في البحر المتوسط وتهديد جيرانها ، وقد سبق هذا الاجتماع تصريحات شديدة اللهجة من جانب الرئيس ماكرون تجاه تركيا ومنها مطالبته دول الاتحاد الأوروبي قاطبة بأن يكونوا حازمين مع أردوغان وباتخاذ موقف موحد ومشترك للاتحاد تجاه تركيا، ومطالبة الحكومة التركية باحترام السيادة الأوروبية والقانون الدولي ، كما أعلن ماكرون بأن تركيا تفاقم الاستفزازات في شرق المتوسط، وأن الخطوط الحمر واضحة وعليها توضيح خياراتها ، كما دعا الرئيس الفرنسي أوروبا إلى أن ترفع صوتا أكثر حدة ووضوحا تجاه تركيا التي لم تعد شريكةً نزيهة للاتحاد ، ومعبرا في الوقت نفسه عن رغبته العميقة في بدء حوار جاد ومثمر مجددا مع تركيا شريطة حسن النوايا واحترام القوانين الدولية .

وقد جاء هذا الاجتماع الأوروبي المصغر برئاسة فرنسا كتمهيد لانعقاد القمة الأوروبية الموسعة يومي الـ24 والـ25من شهر سبتمبر الجاري والتي ستكرس لبحث ومراجعة علاقة الاتحاد الأوروبي بتركيا ولاتخاذ الإجراءات اللازمة لردع التصرفات غير المشروعة للرئيس التركي وتعدياته علي دول الجوار والمنطقة ،وكانت فرنسا قد أبدت بوضوح دعمها لليونان بنشرها سفنا حربية وطائرات مقاتلة في المنطقة ردا علي استفزازات تركيا للحفاظ علي الحقوق المشروعة لتلك الدول ، كما بحث الرئيس ماكرون أيضا سبل تعزيز قدرات القوات الجوية اليونانية وإمكانية حصول اليونان على طائرات الرافال الفرنسية المقاتلة والفرقاطات ، كما دعت فرنسا خلال اجتماع الدول السبع الذي أقيم يوم الخميس الماضي إلي ضرورة حصول تنسيق أوروبي أفضل في مواجهة التحديات المشتركة مثل مسائل الهجرة والأزمة الليبية فضلا عن العلاقات مع دول جنوب المتوسط .

يحدث ذلك في الوقت الذي تراجع خلاله موقف تركيا المتشدد أمام تهديدات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتزامن مع إعلان البيان الختامي لقمة الدول السبع مؤخرا والذي انتقدته تركيا، وقد بدا هذا التراجع جليا مع إعلان تركيا عبر وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو أمام البرلمان الأوروبي باستعدادها للحوار مع اليونان بدون شروط مسبقة ، فهل يمكن أن ترتدع تركيا وتتراجع عن تهديد دول المنطقة ومنها اعتداؤها غير المشروع علي الحقوق المائية لجيرانها وبخاصة بعد هذا الاجتماع الأوروبي المتوسطي الذي سيرفع توصيات بيان قمته المتشدد تجاه تركيا إلي اجتماع دول الاتحاد الأوربي المرتقب أواخر سبتمبر الجاري لاتخاذ الإجراءات العقابية اللازمة وللوقوف في وجه تركيا ؟ أم سيواصل الرئيس التركي وحكومته اتباع النهج العدواني وتهديد أمن المتوسط والمنطقة ومن ثم جر تركيا إلي مالا يحمد عقباه.