عبد الناصر.. والعروبة

طارق عبد الحميد
طارق عبد الحميد

ونحن نعيش في أجواء الذكرى السنوية الخمسين لرحيل الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، لم يغادر مخيلتي أبدا ذلك الحوار التليفزيوني الذي أجراه الفنان السوري الكبير دريد لحام في مثل هذه الأيام من عام 2016م على شاشة قناة "العاصمة 2" ببرنامج "451 فهرنهايت" حين قال: تعلمت معنى العروبة من الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي سعى لتحقيقها.

في ذلك الحوار أيضا، ظهر التأثر الكبير على الفنان دريد لحام أثناء إذاعة الفيديو التسجيلي لتشييع جثمان الرئيس جمال عبد الناصر حتى أنه لم يستطع مغالبة دموعه، قائلا: عبد الناصر زرع الأمل في نفوس المصريين. مضيفا أنه مازال يستشعر لحظات فراق الشعب المصري لعبد الناصر. مستطردا: دموعي نزلت وما قدرتش أمنعها، لما شفت وتذكرت هذا المشهد العظيم.

لقد صدق الفنان الكبير الذي كان يبكي حال أمته العربية بعد رحيل "ناصر"، الزعيم الذي أيقظ حلم الوحدة بين جنبات هذه الأمة من المحيط إلى الخليج، والرجل الذي رغم كونه قائدا كبيرا، ظل طوال الوقت جنديا مخلصًا في خدمة قضية الوحدة إلى أن انتقل إلى جوار ربه.
وتشي دموع وكلمات الفنان الكبير بواحدة من أهم أسس وقواعد الناصرية، وأعني بها "البُعد العربي"، فقد أدرك عبد الناصر بحكم ثقافته - والحكام المثقفون قلائل للغاية على مدار التاريخ- أهمية العروبة لمصر، وهو ما فسره العبقري د. جمال حمدان صاحب العمل الفذ "شخصية مصر .. دراسة في عبقرية المكان" بدراسة عبد الناصر لتاريخ وجغرافية مصر، وقيامه بتدريس مادة الإستراتيجيات في الكلية الحربية قبيل ثورة يوليو 1952م.

وقد بدأ وعي ناصر العميق بالعروبة منذ حصار اليهود له في الفالوجا بفلسطين عام 1948م وحتى آخر أيام حياته إثر انتهاء القمة العربية بالقاهرة في سبتمبر 1970م، إذ كانت حياته ووفاته من أجل فلسطين العربية، بل إن حروب مصر كلها تقريبًا كانت في محيطها العربي ومن أجل العروبة، علما بأن "البعد العربي" لدى ناصر كان هو أساس قوة الإسلام، بدليل الدوائر الثلاث التي تحركت فيها السياسة الناصرية: العربية، والإفريقية، والإسلامية.

مصر إذا - لدى ناصر- لم يكن لها إلا أن تكون عربية، وهو ما أكدته إسهامات كبار مفكرينا من أمثال: صبحي وحيدة في "أصول المسالة المصرية"، ومحمد شفيق غربال في "تكوين مصر عبر العصور"، وحسين مؤنس في "مصر ورسالتها"، فضلا عن جمال حمدان، فكلما كنت مصريًا حقيقيًا.. كنت بالضرورة عربيًا حقيقيًا، وتحضرني في هذا السياق مقولة عبد الناصر الشهيرة: " رفح ليست آخر حدودنا، وإن قتال العرب في فلسطين هو دفاع عن النفس".

رحم الله جمال عبد الناصر الذي لا تزال الرياح تحمل إلينا أفكاره الخالدة في زمن العبث واللا معقول؟!.