20 سبتمبر.. وماذا بعد؟!

محمد السيسي
محمد السيسى

لم تشغلنى فى يوم، دعوات «تثوير الجماهير»، «ثورة الحِلل» وغيرها، تلك التى يطلقها مرتزقة «الإعلام القطرى - التركى»، من غرفهم أو استديوهاتهم المكيفة.. ومع بداية ظهور «محمد علـى المقاول»، وأنا أدرك أن الناس تُقبل على مشاهدة «اسكتشاته»، من باب «الفُـرجة» ليس أكثر.

وتقديرى أن ذلك، ليس لسطحية وسذاجة الطرح الذى يتبناه هؤلاء، بجهل وسخافة و«قلة أدب»، أو خوفـًا من البطش الأمنى؛ فمعيار الرفض هنا بالنسبة للغالبية، وطنى بالأساس؛ فالضمير الجمعى المصرى، يرفض الاحتجاجـات «مدفوعـة الأجر»، ونمـوذج «أحمد الجلبى» فى العراق وغيـره، لا يروق للمصريين، حتى ولو كانوا رافضين للنظام الحاكم.

فالمصريون على بساطتهم يعرفون جيدًا أن محاولات «الخارج»، لإثارة الفوضى فى الداخل، تهدف إلى إحكام الحصار على مصـر، لتبقى أسيرة تحدياتها الإقليمية - شمالا وجنوبـًا وشرقـًا وغربـًا - ومشكلاتها الداخلية، ويدركون على اختلاف توجهاتهم أن أطرافـًا إقليمية، فى مقدمتها «إسرائيل»، ترى فى استقرار مصر خطرًا كبيرًا، وأن ما يجرى من المحيط إلى الخليج، مؤامرة، تستهدف المنطقة العربية، وفى قلبها مصر.

نعم، وعى الناس أكبر من محاولات إثارة الفوضى، لكن الارتكان إلى ذلك وحده، لا يكفى، وتمرير الفقر والظلم الاجتماعى فى مقابل الأمن والاستقرار، لم يعُد يُجدى، فهذه المعادلة المقيتة، ستقودنا إلى مصير مجهول.

الواجب الآن، فى تقديرى، هو التفكير فى القضية بشكل أكثر شمولا، وطريقنا إلى ذلك يستوجب الإجابة على عدة أسئلة متشابكة: ما أسباب الاحتقان فى المجتمع؟، لماذا لا يشعر غالبية المصريين بالرضا؟، لماذا نزل الملايين إلى الشوارع فى 30 يونية، و3 و26 يوليو 2013، رغم تهديدات جماعة الإخوان الإرهابية بإشعال حرب أهلية؟، ولماذا يُحجمون الآن عن المشاركة فى الانتخابات البرلمانية؟!.

لقد تحمَّل المصريون - لسنوات طويلة - الظروف الاقتصادية «الخانقة»، وهذا الرصيد الهائل من المشكلات الـمتراكمة، على أمل الإصلاح، لكن للأسف الأوضاع الداخلية لم تتغير بالشكل الذى توقعه الناس، بل وجدوا أنفسهم يدفعون الثمن مرة أخرى، يدفعون تكاليف الإصلاح وحدهم، إصلاح ما أفسدته مجموعات المصالح.

وقانون التصالح فى مخالفات البناء، آخر مثال: فقد دفع البسطاء من قبل ثمن فساد المحليات، بعد أن أصبح البناء العشوائى من طبائع الأمور والقانون السائد على مدى عقود، ويدفعون اليوم ثمن إصلاح هذا الفساد.
وماذا بعد..

مواجهة المؤامرات لا تكون بمجرد الحديث عنها، وتخويف الناس منها، وإنما باتخاذ الإجراءات الحقيقية لإفسادها، فـ«المناضلون مدفوعو الأجر»، ينشطون فى بيئة وظروف معينة، ولا يخفى على أحد أن من يتحركون الآن ويحرِّضون الناس على النزول للشوارع، ما كان بوسعهم أن يفعلوا ذلك من قبل، ليس خوفـًا من الشرطة ولكن تحسبًا لرد فعل الشارع!!.

يجب تغيير الظروف التى تساعد على وجود «سماسرة الأوطان»، تجار الدم والدين والأزمات، وأول خطوة على الطريق هى تماسك الجبهة الداخلية، وتقوية مناعة المجتمع، ولن يكون ذلك إلا عندما يشعر الـمواطن بأنه يعيش فى وطن، وليس مجرد «فريسة»!، وإياكم وتبكيت الناس أو معايرتهم بشكواهم، فهؤلاء مَن قدموا الشهداء ولا يزالون، وقـدموا التضحيــات مـن أمنهم وقوت يومهم ومستمرون.

نعم.. نحتاج إلى إصلاح، ولن يكون ذلك إلا بتغيير الفكـر والقواعد الحاكمة التى فرضتها مجموعات المصالح والفساد، فزادت الأثرياء ثراءً.. والفقراء فقرًا.. ودهست الطبقة الوسطى.