جولة لتعزيز النفوذ ( 2 / 2 )

سناء السعيد
سناء السعيد

في محاولة للتخلص من كارثة الطائفية والمحاصصة تطبيقا؛ لما طالب به إيمانويل ماكرون خلال الزيارتين اللتين قام بهما إلى لبنان، دعا الرئيس ميشال عون إلى تأسيس دولة مدنية عصرية بعيدا عن عوائق النظام الطائفي القائم على المحاصصة. وقال عون:"إن نظام المحاصصة كان صالحا لزمن مضى ولكنه صار اليوم عائقا أمام أي تطور وأمام مكافحة الفساد، ويكفي أنه يولد الفتن". وتأتى دعوة ميشال عون لتؤكد أن الأمل يظل معلقا على بناء لبنان ديمقراطي خالٍ من كل تطرف طائفي ومن أية انقسامات.

وفي معرض الحديث عن مهمة الإنقاذ التي قام بها ماكرون للبنان في زيارته الأولى في السادس من الشهر الماضي عقب انفجار مرفأ بيروت، وزيارته الثانية في الحادي والثلاثين من الشهر نفسه نقول إن الزيارتين أراد بهما رؤية لبنان آخر يشرع في البدء بصفحة جديدة من التغيرات التي يسود معها الاستقرار وروح البناء والتعمير، بعيدا عن العواصف ليكون بمثابة الوطن الرافض لكل أشكال الظلم في الداخل والخارج معا. الوطن الذي يمكن الرهان عليه لتأسيس الدولة اللبنانية التي ترمز إلى ثقافة الحياة وإلى الأمل الذي يمكن أن يسد أي فراغ سياسي قائم فيه. لبنان الذي يتعايش فيه الجميع بعيدا عن الطائفية البغيضة وبعيدا عن آفة الولاءات للأشخاص بالوراثة. لبنان الحر البعيد عن الدكاكين السياسية، لبنان الذي يجسد ملاذا للحب والاستقرار والثقافة والبناء.

عمد ماكرون، في زيارته الثانية للبنان، إلى تقييم التقدم الذي تم إحرازه. ومن ثم دعا إلى تشكيل حكومة بمهمة محدودة لإنقاذ لبنان وإطلاق التصريحات لمكافحة الفساد وإصلاح ملف الطاقة وإعادة الإعمار وإقرار ميثاق سياسي جديد وإجراء إصلاحات عاجلة. كان "ماكرون" حريصا على أن يحض المسئولين اللبنانيين على إجراء إصلاحات عميقة في النظام السياسي، وعلى وجوب تغيير النظام الطائفي الذي يحكم لبنان؛ ولهذا التقى ماكرون بحسن نصر الله الذي أبدى انفتاحا إزاء الطرح الفرنسي بشأن التوصل إلى عقد سياسي جديد، وأن يكون بإرادة ورضا مختلف الفئات اللبنانية. لقد أعطى ماكرون للمسئولين في لبنان مهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ الإصلاحات، وهنا نتساءل: هل ستكون حكومة مصطفي أديب حكومة المعجزة التي تُرضى جميع الأطراف في آنٍ واحد لا سيما أن مهمة الإصلاح معركة طويلة وصعبة؟.

على صعيد آخر فإن جولة ماكرون في لبنان قد جاءت وعينه على منافسه أردوغان الذي كان قد أرسل نائبه إلى بيروت حاملا عروضا بإعادة إعمار مرفأ بيروت والمباني المجاورة له، ووضع ميناء( مرسين) التركي القريب لخدمة اللبنانيين وذلك حتى يتم الانتهاء من ترسيم العاصمة. كما أن ماكرون وضع في اعتباره الحرب الباردة بينه وبين أردوغان في شرق المتوسط وخاصة في ليبيا ومياه قبرص واليونان. هذا فضلا عن أن أردوغان بات جارا للبنان بحكم وجود قواته في إدلب وشمال سوريا، ومثلما نصب نفسه زعيما للطائفة السنية السورية، فليس مستبعدا أن يسير على نفس المنوال في لبنان. ولقد أكدها وزير الخارجية التركي عندما قال:"حيث يرفرف أي علم فرنسي سيكون قبالته علم تركي" وهو ما يعنى أن أعلاما كثيرة سترفرف في لبنان في المرحلة المقبلة. ولهذا يقود "ماكرون" حملة شرسة ضد تركيا ويعتبرها العدو الأكبر، واتهم أردوغان بأنه ينتهج سياسة توسعية لا تتفق مع المصالح الأوروبية، وتشكل عاملا لزعزعة الاستقرار، وبالتالي فإن زيارة ماكرون للبنان لا يمكن النظر إليها دون أخذ شطحات أردوغان في الاعتبار. ولهذا بادر ماكرون فطرح عرضا مغريا على لبنان في فترة تواجه فيها العديد من المشكلات وشرع في تقديم إغراءات على نحو ما أعلنه عن عقد مؤتمر دعم دولي بضمان مع الأمم المتحدة في باريس في النصف الثاني من الشهر القادم.

وكان المجتمع الدولي قد تعهد في مؤتمر نظمته باريس بعد أربعة أيام من انفجار مرفأ بيروت بتقديم 250 مليون يورو للبنان مقابل تعهدها بتنفيذ خريطة طريق وضعتها فرنسا كشرط للحصول على المساعدات. ويعتزم ماكرون القيام بزيارة ثالثة للبنان الشهر المقبل، على أمل أن يكون لبنان قد خرج بالفعل من ثوب الطائفية وتوصل إلى عقد سياسي جديد بإرادة ورضا مختلف الفئات اللبنانية.