شقيقي"محمد"

د. محمود بكري

هاأنت ياأخي"محمد مصطفي بكري".. تعود مجددا إلى "مجلس النواب".. "فارسا وطنيا" و"مناضلا مخلصا".. لم تحن "قامتك" يوما، لغير "العزيز الجبار" ولم ترهبك "المحن" رغم "جبروتها".. مضيت في طريقك "المعبد بالأشواك" مؤمنا، فقط ب"وطن عزيز" سخرت له" جل حياتك".. ومضيت، منذ أن خرجت من قريتنا "المعني" الرابضة في حضن الجبل بمدينة "قنا"، منحازا "للفقراء" وللبسطاء، الذين ترعرعنا بين "كنفهم" وتربينا على "قيمهم" وتشربنا من "سلوكياتهم" فكنت "ابنهم الصادق" مجسدا كل ماتربينا عليه في مدرسة "الصعيد الحر" من معاني "الشرف" و"الكبرياء" و"الثبات علي المبدأ".

هكذا كانت بداياتك..منذ كنت تلميذا في الصف الخامس الابتدائي، يوم صعدت منبر مسجد "العتيق" ببلدتنا، بعد صلاة الجمعة، لتهاجم "القطط السمان" التي راحت تكتنز الأموال في هذا الزمن، علي حساب الفقراء، والمطحونين في أرجاء الوطن.. ويوم أرسلت للكاتب الراحل "مصطفي أمين" رسالة نشرتها صحيفة "أخبار اليوم" في باب "عزيزتي أخبار اليوم".. تهاجم فيها من نزعوا صورة الزعيم الخالد "جمال عبدالناصر" من واجهة "بحيرة ناصر" في "أسوان".. كنت في بواكير شبابك، ولكن "وطنيتك المبكرة" أزعجت من لايريدون لزهور الوطن أن "تتفتح".

في تلك السنوات البعيدة، كانت قريتنا الهادئة، لاتعرف التعامل مع رجال الأمن.. فلم تكن أقدام "البوليس" قد وطئت أرض"المعنى" من قبل، ولكننا، ونحن في هذه البدايات المبكرة من طفولتنا، فوجئنا بسيارات الأمن، ورجال الشرطة، يجتاحون قريتنا، ويحذرون أقاربنا، وخاصة "والدنا الراحل" و"خالي سعد" رحمة الله عليهما، وأعضاء المجلس المحلي آنذاك "حسين أحمد" و"عطالله عيد" من أن تكرار "محمد مصطفي بكري" لأي تصرف، للتحريض، ستكون له عواقبه الكبرى، عليه، وعلي بلدته.

يومها،حاول الجميع تحذيره من خطورة مايفعله، ويردده، ولكن الفتى "محمد" كان عنيدا، ومصممًا علي المضي في طريقه حتى النهاية.. لذا راح ينخرط مبكرًا في صفوف "منظمة الشباب الاشتراكي" وكان يقودنا في مجموعات صغيرة، تهتف باسم "الجمهورية العربية المتحدة" في مواجهة مقر "الشرطة العسكرية" الذي أنشيء في مدخل قريتنا، عند كوبري "السحارة".. معلنا منذ نعومة أظافره، دعمه، وانحيازه لجيشنا المصري العظيم.

ومابين مرحلة وأخرى، تجذر اليقين الوطني، والرافض للممارسات الخاطئة بحق البسطاء، في قلب وعقل "محمد" فكان القائد، والمفجّر لمظاهرات السابع عشر والثامن عشر من يناير في العام1977، في قنا، وهو لايزال طالبا في الفرقة الأولى من الجامعة.. حينذاك، جرى اعتقاله، وأودع سجن "قنا الغربي" لنحو ثلاثة أشهر كاملة،حتى تمت تبرئته، ومن بعدها، وحين دنس علم الصهاينة "سماء مصر" بعد افتتاح "سفارة للقتلة" على شاطئ نيل مصر، كانت"قنا" المحافظة الوحيدة التي خرجت فيها "مظاهرة غاضبة" ضد الصلح المنفرد مع الصهاينة.. ولأنه قاد المظاهرة في العام 1980، فقد صدرت التعليمات بالقبض عليه، ولكنه تخفة عن الأنظار لفترة من الوقت، حتى قام بتسليم نفسه مع بدء الامتحانات الجامعية؛حيث أدى الامتحانات "محبوسا" في هذا العام الدراسي.

ورغم السجن، والتهديد بعواقب الأمور؛لكن "محمد مصطفي بكري"راح يعلن التحدي، انحيازا للوطن في كل مراحله. راح ينظم المؤتمرات، والاحتجاجات في كل مكان، معلنًا رفض السياسة التي أعلنها الرئيس الراحل "أنور السادات" في ذلك الوقت، بتوصيل مياه النيل إلى "إسرائيل".. فكانت محصلة ذلك إدراجه في قائمة ال”1536"مصريًا، الذين تقرر اعتقالهم فيما سمي بأحداث الخامس من سبتمبر للعام1981؛ولكن وجوده بالقاهرة في ذلك الوقت أبعده عن "شبح الاعتقال" مؤقتا، وحتى تم القبض علينا سويا في السادس عشر من أكتوبر من العام 1981، في مسكننا بالمعادي؛ حيث أودعنا سويا سجن ليمان طرة.

وبعد خروجه من "الاعتقال" سلك درب "الصحافة" ليواصل رسالته في خدمة "بني وطنه" وعلى مدار الفترة الممتدة ما بين العام 1982، وحتى ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، كانت له صولات، وجولات، تعرض فيها للخطف، والحبس، والمحاكمات اللانهائية، واغلاق صحف أصدرها، وممارسات لاإنسانية تعرض لها، في محاولة لردعه عن دوره في مقاومة الفساد والاستبداد، والتفريط في حقوق الوطن، والأمة؛ ولكنه "أبي" وازداد إصراره على سلوك درب الحق، مهما كلفه من متاعب، فأسقطوه في انتخابات جرى تزويرها، على مرأى ومسمع من الدنيا كلها، ليمنحوا المقاعد لوزراء في الحكم، استخدموا كل الوسائل لإبعاده عن مقعده البرلماني "المستحق" والذي فاز به في انتخابات العام 2005 رغم كل الأساليب، غير المشروعة التي استخدمت لإسقاطه، فكان أداءه، كأحسن برلماني، وفقا لتقرير مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء، رسالة واضحة لكل ذي عينين، عن أهمية الدور الوطني الذي يلعبه في خدمة "مصرنا الغالية".

وكان لما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وجوه أخرى، لحروب ظالمة، تعرض لها، من مجموعات "رخيصة" وجماعات "ضالة" و"نفوس حاقدة" أرادت هدمه، وتدميره، من خلال بث حروب الشائعات، والأباطيل ضده.. في مخطط ممنهج لوأد كل من كان يتجرأ على الدفاع عن مؤسسات الوطن.

وبالرغم من جسامة الأدوات التي تم توظيفها، في مواجهة "شخص" لايملك سوى "حب وطنه" ودفاعه الأصيل عنه؛ لكنه ظل، وفي كل السنوات التسع الماضية، متوهجا بوطنيته، صامدا في طريقه، محبوبا من الأصلاء، أبناء مصر البررة، فحقق في برلمان 2012 أعلى معدل أصوات للمرشح "الفئات" على مستوى الحمهورية؛ حيث حصل في دائرة "حلوان" على 376.200 صوت، وهو رقم لم يبلغه أحد سبقه على مقعد "الفئات".. ثم كان المنسق لقائمة الجيزة وشمال وجنوب الصعيد في العام 2015، والتي حملته للبرلمان الحالي..ثم هاهو يعود للترشح على نفس القائمة في برلمان 2020، في تأكيد من جديد على أن أصحاب "الخط الوطني الأصيل" و"الأيادي البيضاء" و"القلوب الصافية" سيبقون رافعين رايات الحق، ومدافعين عن أمتهم، مهما كانت التحديات، ومهما بلغت الحملات المغرضة.. فالتاريخ الوطني "المعبد بالشرف والتضحية" سيدحر كل من يحاول المساس بركائزه الثابتة في تربة الوطن.