"ناصر" بعيون رجاء النقاش

طارق عبد الحميد
طارق عبد الحميد

ونحن ما زلنا في أجواء ذكرى وفاة الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر الخمسين (28 سبتمبر 1970م)، شغلتني كثيرًا علاقته بمثقفي عصره من كبار المفكرين والأدباء والنقاد، وكيف كان هؤلاء ينظرون إلى "الزعيم". وفي هذه السطور أتوقف عند الراحل الكبير رجاء النقاش ( 1934- 2008م ) كواحد من أكبر وأنبل النقاد المصريين والعرب في العصر الحديث.

حمل رجاء في قلبه حبا وتقديرًا كبيرين لجمال عبد الناصر، وكان رجاء أحد المتحمسين لثورة يوليو منذ بدايتها، وربما كان "الفقر" هو تلك الوشيجة الخفية التي ربطت بينه وبين زعيم الثورة (عبد الناصر).

ويحكى ناقدنا الكبير عن لقائه الأول مع عبد الناصر في عام 1963م حين دعاه عبد الناصر، ضمن أعضاء المؤتمر الأول لكتاب آسيا وإفريقيا، فدخل قصر عابدين للمرة الأولى لينبهر بـ " ناصر" وبـ "عابدين‏" قائلًا:‏ وقفنا في صفوف متراصة ومرّ علينا عبد الناصر وصافحنا واحدًا واحدًا فرأيناه من قرب وأدركنا صحة ما كان يقال عنه من أن له هيبة وسحرا وجاذبية وعينين مليئتين ببريق استثنائي يأسر القلوب‏..‏ كان هذا كله صحيحًا‏،‏ فقد مسّتنا كهرباء عبدالناصر فاهتزت منا الأعصاب والمشاعر‏، وأدركنا جميعا أننا في حضرة رجل عظيم‏..‏ وبعد أن انتهت المصافحات انتقلنا إلى قاعة العشاء التي تبهر العيون وتخطف الأبصار من فرط جمالها وبهائها‏،‏ وكان سقفها كله مطليا بالذهب‏.‏

وقد تبدى هذا الحب الفطرى لعبد الناصر بشكل موضوعي في تلك الدراسة التي خطها رجاء النقاش عن علاقة عبد الناصر بالمثقفين على صفحات مجلة الهلال (عدد يناير 1977م)، وفيها يصل رجاء إلى أن الرئيس "لم يكن عدوًا لهم، حتى لو انتقدوه، وحتى لو كان نقدهم له ولعصره عنيفًا قاسيًا ". ويقدم الأدلة على ذلك: فالشاعر صلاح عبد الصبور كتب قصيدة: "هل عاد ذو الوجه الكئيب؟"، وفيها هجوم عنيف على عبدالناصر، ولم يحدث له شيء، والشاعر محمد الفيتوري نظم قصيدة "مات غدًا".. وفيها أيضًا هجوم على عبد الناصر ومع ذلك لم يحدث شيء للفيتوري، وكان يقيم في مصر. كما كتب نجيب محفوظ قصة "الخوف" وفيها نقد واضح لجمال عبدالناصر، واستمر موقف نجيب محفوظ النقدي من عبد الناصر وعصره في كثير من قصصه ولم يحدث له شيء. كما نشر نزار قباني قصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة"، بعد هزيمة 1967م انتقد فيها الرئيس بوضوح، فتصدت أجهزة الأمن للشاعر وقصيدته وحتى أغانيه. ولما وصل الخبر إلى عبد الناصرأمر: "يُسمح بدخول قصيدة نزار إلى القاهرة، ويسمح بدخول كل أعماله الأخرى، ولا اعتراض على شخص نزار أو فنه في مصر".

تلك كانت شهادة مثقف وناقد عظيم عن عبد الناصر وعصره، رحمهما الله رحمة واسعة.

مواضيع أخري لهذا الكاتب