لا للإرهاب .. ولا لاستفزازات شارلي إيبدو

صالح أبو مسلم
صالح أبو مسلم

أصبحت صحيفة شارلي إيبدو الهزلية دون غيرها من الصحف ودور الإعلام الفرنسية هدفا للعمليات الإرهابية ، فبعد الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له الصحيفة عام 2011 ثم الاعتداء الإرهابي الدامي الذي راح ضحيته 12من صحفييها في يناير عام 2015بسسب تكرار نشرها للرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للإسلام وللرسول محمد ، يعود الإرهاب من جديد ولنفس الأسباب ليستهدف ذات الصحيفة وذلك بعد قيام شابين أحدهما باكستاني والآخر جزائري يوم الجمعة الماضي الموافق 25 من شهر سبتمبر الجاري بالاعتداء بالسكاكين علي أربعة من المنتمين للصحيفة بمقرها القديم بالدائرة الحادية عشرة بباريس ، والتسبب في استنفار الأجهزة الأمنية والقبض علي المتهمين ،وقد أتي هذا الحادث الإرهابي المحدود متزامنا مع بدء محاكمة 14 من المتهمين في العملية الإرهابية التي وقعت بمقر الصحيفة وتسببت في مقتل عدد كبير من أبنائها وما ألحقته من تداعيات فرنسية ودولية تستنكر الإرهاب ، وانطلاقا من عقيدة صحفيي الجريدة وإيمانهم وفق مفاهيمهم بحرية التعبير وعلمانية الدولة التي كفلها الدستور الفرنسي يبدو أن صحفية شارلي إيبدو مصرة علي مواصلة نهجها الساخر في التحدي وانتقاد الرموز الدينية والإساءة من خلال رسومها إلي استفزاز الأمم الأخرى بدون توقف أو مراجعة لسياستها، ومن ذلك إعادتها في أوائل سبتمبر الجاري نشر الرسوم الهزلية للنبي محمد بالتزامن مع بدء محاكمة أفراد الاعتداء الإرهابي أوائل سبتمبر الجاري بباريس والتي جعلتها عرضة للتهديدات والاعتداء عليها من جانب المتشددين مرة أخرى ، وإذا كنا نرفض تلك الأعمال الإرهابية جملة وتفصيلا فإننا في الوقت نفسه نرفض أيضا الرسالة الإعلامية المستفزة لهذه الصحيفة لأنها لا تتماشى ولا تنسجم مع المبادئ العلمانية البناءة التي أرستها الثورة الفرنسية والتي كان في مقدمتها احترام معتقدات الأمم الأخرى، وعدم تبرير أي شكل من أشكال الاعتداء على المعتقدات الدينية والعرقية للآخرين .
ومع استنكارنا وشجبنا للإرهاب بكل أشكاله وصوره ولكل العمليات الإرهابية فإننا أيضا نؤمن بضرورة أن يعمل المجتمع الدولي كله علي تجفيف منابع الإرهاب ومعالجة أسبابه ، وعلاج وحل كافة القضايا والأزمات الدولية التي تغذي هذا الإرهاب ومنها إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط بإقامة الدولة الفلسطينية وإحلال السلام والعدل والاستقرار في المنطقة والعالم، مكافحة الفقر والأمية في الكثير من الدول ، التصدي لكافة التنظيمات الإرهابية وكل من يقف وراءها سواء كانت تنظيمات أو ميليشيات أو دولا ، القضاء علي كل أشكال ومظاهر العنصرية والتمييز والكراهية وكل ما من شأنه الإساءة للأديان والحضارات والدول، والإيمان بالتعددية الثقافية واحترم الآخرين والتحلي بالقيم، بل وباحترام سيادة الدول علي أراضيها ، وعندها فلن يجد الإرهابيون والمتطرفون من الأسباب التي تغذي أفكارهم ولا بمن يؤمن بهم .
ولا يخفي علي أحد الآن أن المجتمعات كافة تعيش في ظروف انفلات التطرف الديني وصعود الأفكار العنصرية ومظاهرها الإرهابية والإجرامية الدامية التي طالت الجميع ،ولهذا فإن العالم الآن ليس بحاجة إلى سكب مزيد من الزيت على النار المشتعلة في الكثير من الدول، بل على العكس من ذلك فهو بحاجة ماسة إلى من يعمل ويشارك بوعي وإخلاص وتضامن من أجل إخماد بؤر التوترات، والإسهام في لجم صعود الأفكار التي تغذي التطرف وتزرع بذور الإرهاب ،ويا حبذا لو كان الإعلام الدولي أهلا لها.

ولهذا فقد آن الأوان لأن تراجع صحيفة شارلي إيبدو توجهاتها وسياستها ، وأن تراجع حساباتها وخطواتها ورسالتها الإعلامية التي تؤجج الاستفزاز والكراهية ، ويجب إلا تصر علي مواصلة نهجها الإعلامي الساخر الذي يعرض صحفييها للخطر،و يجب إلا تتسبب بسبب توجهاتها غير المبررة في استنفار الأجهزة الأمنية والحكومية الفرنسية من حين لآخر علي هذا النحو ، ولا بمواصلة نهجها العنصري والتجاري القائم علي استفزاز المسلمين وتأجيج الكراهية والعنف وتحديها لأكثر من مليار ونصف المليار مسلم بلا هدف ، فالإساءة للأنبياء والرسل وكل أتباع الرسالات السماوية علي هذا النحو المنفلت لا يعتبر أبدا من باب حرية الرأي ولا من أخلاق ورسالة مهنة الإعلام الحقيقية ، بل يعتبر،كما قال شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب: دعوة صريحة للكراهية والعنصرية باسم الحرية ،وانفلاتا من كل القيم الإنسانية والحضارية التي تعد جريمة أخلاقية وإرهابية في حق الإنسانية. فهل ستتراجع شارلي إيبدو وتتوقف عن هذا النهج أم ستواصل تكرر خطئها الجسيم وتداعياته في حق الإنسانية ؟

مواضيع أخري لهذا الكاتب