ورحلت "سامية"

الدكتور محمود بكري
د. محمود بكري

منذ أكثر من عقدين ونصف من الزمان، ربطتني علاقة أخوة عزيزة بالراحلة الفقيدة "سامية زين العابدين"..كانت محررة عسكرية لصحيفة "المساء"..كنا نتواصل..نتبادل هموم الصحافة والصحفيين..وفوق كل شيء "هموم الوطن" ..حين كانت تتحدث "كمراسلة عسكرية" عن"جيشنا الوطني" كان شعور يتملكني، وكأنها "جندي" في "القوات المسلحة" فلقد كان"حبها" و"عشقها" لجيش بلدها، أكبر مما يتخيله أحد في هذا الوقت المبكر من علاقتنا الأخوية.

كنا نتواصل عبر الهاتف، وتزورني في مكتبي، ونلتقي في نقابة الصحفيين، ونتجاذب أطراف الحديث في الندوات، والمؤتمرات،والزيارات التي تنظمها القوات المسلحة،عبر إدارة الشئون المعنوية.

ومضت سنوات الزمن،حتى وجدنا أنفسنا جميعا،في "حرب" مع "الطيور الجارحة" التي راحت تلوث "سماء الوطن" بسمومها القاتلة..كانت معركة كل مصري شريف،في التصدي لهذه "الشرذمة الضالة" التي أرادت"محو" هوية الوطن،في لحظة غادرة..وهنا راحت"سامية زين العابدين" تتقدم الصفوف..تقود التجمعات..تتواجد في قلب الأحداث..تطلق صرخاتها عبر وسائل الإعلام،فجاء صوتها"مجلجلا"..يوقظ النيام،وينبه الغافلين،بأن الوطن في "محنة" وأن أولي مهام"كل وطني" هي أن يذود،بكل ما يملك،عن وطن يتعرض للضياع،علي يد مجموعة من"العصابات" و"قطاع الطرق".

وأشهد للراحلة الغالية،أنها كانت "سوطا" في وجه "القتلة"و "مقاتلة جسورة" في وجه كل من راحوا يتربصون بأمن الوطن..حتى أنها كانت تتصدي لطغيانهم،وجبروتهم،إبان السنة السوداء التي سطوا فيها علي قمة السلطة،والوطن..قاتلت بشجاعة،وحاربت ببسالة،ولم تهب أبدا من تجبروا في الأرض،ولم تخف من أي أذي قد يطالها..فقد كانت"مصر"بالنسبة لها،هي القلب والعين والروح..كانت تصرخ عبر الأثير،في لقاءات إعلامية مشهودة،تدعو الناس للتصدي لفلول الإرهاب،وسارقي الأوطان،وعدم تركهم يشوهون وجه الوطن الغالي.

وحين انتصرت ثورة الثلاثين من يونيو، كانت الراحلة الكبيرة في مقدمة من تصدروا الصفوف الوطنية،حين انخرط أبناء شعب مصر العظيم،مع الجيش الوطني،وقيادته الباسلة،ليصنع الجميع منظومة واحدة، دفاعا عن الوطن..كانت بهجتها بالانتصار علي"المارقين"أكبر من أن توصف، وهو ما عبرت عنه،مرارا وتكرارا،في أدائها الإعلامي،أو خلال اللقاءات التي لطالما شاركت فيها،بحضور السيد رئيس الجمهورية.
ويوم اغتالت يد الغدر زوجها البطل"الشهيد عادل رجائي"أمام عينيها،بمنزلهما بالعبور،وجدت"سامية"حطام إنسان،خلال وقوفي إلي جوارها بمستشفي الجلاء العسكري،أثناء إنهاء إجراءات تشييع جثمان البطل الذي كانت دائما ما تقول لي:"أنا متجوزة بطل صعيدي زيكم يا محمود"..والذي كان بالنسبة لنا،نعم الأخ،ونعم الصديق.

وعلي مدي السنوات الأخيرة،وخاصة بعد استشهاد زوجها البطل،كنت أتابع"سامية"وأتحدث إليها في اللقاءات المختلفة،ولكن قلبها كان"كسيرا"وروحها كانت مفتقدة..فحين استشهد البطل"عادل رجائي"رحلت معه كل السعادة التي كانت تحياها..فمضي ما تبقي بها في سنوات العمر،تحفظ عهد زوجها الشهيد،وتحمل صورته علي صدرها،وتتباهي في كل مكان كونها زوجة الشهيد البطل،ورغم أحزانها،ظلت"سامية"ثابتة علي ذات مواقفها،بل أكسبتها الأحداث،واستشهاد زوجها"جرأة"في التصدي لكل المتربصين بالوطن،والساعين لهدم أمنه،واستقراره.

رحلت عنا "سامية" الأخت، والإنسانة الوطنية، والمناضلة الصادقة،في لحظة،فارقة،تاركة"فراغا"في صفوف العاشقين بصدق لوطنهم،فقد سقطت"ورقة غالية"من دفتر الوطن،و"جوهرة مضيئة في سجل التاريخ"..فرحمة الله عليك واسعة،أيتها الأخت الفاضلة،والرفيقة في درب الوطن.

مواضيع أخري لهذا الكاتب