الشرطة المصرية والتحديات الداخلية

مصطفي بكري
بقلم - مصطفي بكري

تابع المصريون أداء الشرطة المصرية في انتخابات مجلس الشيوخ والنواب، وقد تميز هذا الأداء بالانضباط الشديد، وتسهيل الإجراءات، والحرص على تطبيق الإجراءات الاحترازية الصحية، وحل المشاكل والأزمات الطارئة، بطريقة تضمن سلامة العملية الانتخابية والحفاظ على الأمن والاستقرار، خلال هذه الفترة، التي تتزايد فيها المشاحنات والصراعات الانتخابية بسبب شدة المنافسة، خاصة في الدوائر الملتهبة.

لقد أكد السيد محمود توفيق وزير الداخلية في اجتماعاته المتعددة مع القيادات الأمنية، مراعاة الحيدة، وضمان سلامة العملية الانتخابية بما يعكس وجه مصر الحضاري، ويبعث برسالة للعالم تؤكد مراعاة المعايير الأساسية فيما يتعلق بالاستحقاق الدستوري الجديد.
وفي مناطق عديدة، حيث يتجول مندوبو المنظمات الدولية والمحلية لمراقبة ومتابعة الانتخابات، فإن هناك ثناء على التسهيلات التي تقدمها الأجهزة لها في إنجاز مهمتها برصد تقارير المخالفات في حال وقوعها.

ووفقًا للتقارير الأولية، حتى كتابة هذا المقال، فإن غالبية هذه المنظمات رصدت وجود مخالفات لدى بعض المرشحين من الدعاية أمام بعض اللجان وخرق الصمت الانتخابي باستخدام المال السياسي لشراء الأصوات، ولم ترصد هذه المنظمات حتى الآن أية محاولة من الشرطة لعرقلة عملها أو التدخل في تقاريرها والتجول داخل اللجان الانتخابية المختلفة.

وإذا كانت تلك هي شهادة جديدة لمؤسستنا الأمنية ورجالها خلال هذه الانتخابات، فإن ذلك يؤكد أن المؤسسة الأمنية تسعى، بكل ما تملك، أن تبقى على الحياد بين المتنافسين، احترامًا لدورها الذي حدده القانون والدستور، والتزامًا بالتعليمات الصادرة من القيادة السياسية والسيد وزير الداخلية.

إن أحدًا لا يستطيع أن ينكر دور الشرطة وتطورها، والتضحيات التي تقدمها، فهذا أمر من ثوابت المجتمع، وهو يعكس نفسه في كثير من المواقف، فتلك رسالتها، بالرغم من المرحلة الخطيرة التي عاشتها، والتحديات التي واجهتها وتحديدًا في أعقاب أحداث 52 يناير 1102.
لقد عانى رجال الشرطة جنودًا وضباطًا وقادة من حملات تشويه، وإساءات متعمدة، من أراذل القوم، والمتآمرين الذين سعوا التي إسقاطها في الثامن والعشرين من يناير، فكانت الحملات الإعلامية الممنهجة التي استهدفت بث الكراهية في كل من ينتمي إلى مؤسستنا الأمنية الباسلة، فأشاعوا أجواء من القلاقل، وحرضوا على اقتحام الأقسام والسجون، بل ومبنى الوزارة ذاته، ثم اقتحموا بخسة ونذالة مقار ومكاتب مباحث أمن الدولة في كافة المحافظات.

كان المطلوب في هذه الفترة إسقاط جهاز الشرطة بشكل كامل، وقد تسببوا بالفعل في حدوث انهيارات كبيرة، عندما أحرقوا في ليلة واحدة من 061 من أقسام الشرطة وقتلوا وأصابوا المئات من الضباط والجنود.
انتفض البلطجية من كل مكان ليتوجهوا إلى هذه الأقسام والسجون بتحريض من جماعة الإخوان الإرهابية وبمساعدة مباشرة من حركة حماس، سرقوا الأسلحة وأحرقوا المنشآت، وأطلقوا سراح 32 ألف مسجون في هذه الفترة، ومن بينهم قيادات جماعة الإخوان التي كانت مسجونة على ذمة قضية التخابر في سجن وادي النطرون وأيضًا عناصر حماس وحزب الله وغيرهم في العديد من السجون الأخرى.
ووجهت الاتهامات في هذه الفترة ظلمًا وعدوانًا لقادة الشرطة ولمئات الضباط والجنود اتهامات ظالمة بقتل وإصابة المتظاهرين، غير أن قضاء مصر العادل النزيه أثبت براءتهم جميعًا من كل ما علق بهم من اتهامات، حيث كانت التعليمات الصادرة من وزير الداخلية في هذا الوقت هي الحرص على استخدام الرصاص في مواجهة الجماهير الغاضبة والالتزام بضبط النفس.
وعندما كانت المحاكم تصدر أحكام البراءة، كانت القوى المتآمرة التي ثبت فعليًا تورطها هي وليس غيرها في قتل المتظاهرين، تقيم الدنيا ولا تقعدها، ساعية إلى إرهاب القضاة، بل والاعتداء عليهم في المحاكم خلال جلسات المحاكمة.
لقد تحملت أسر الضباط والجنود حملات الكراهية والإساءة بالصبر والصمود، في مواجهة تشويه الأزواج والأبناء والآباء و كانت محاولات شيطنة رجال الشرطة ممنهجة: أفلام تأتى من الخارج، وإعلام متواطئ في الداخل وكأننا أمام «مكارثية جديدة» تهدف إلى القضاء نهائيًا على هذا الجهاز الوطني العظيم.
وأتذكر عقب أحداث يناير بشهور قليلة أن دعاني الكاتب والإعلامي مصطفى الأدور ضابط الشرطة السابق إلى احتفال تكريمي مع أكثر من مائة وخمسين من ضباط الشرطة في نادي الشرطة للتجديف، يومها كانت كلمات الضباط والجنود تعكس الألم والمرارة، لكنها تعكس الإصرار على مواصلة المسيرة والدفاع عن الجبهة الداخلية والحرص على الأمن والاستقرار مهما كان الثمن.

وتمضي الأيام وتقام الانتخابات التشريعية في 82 نوفمبر 1102، وتتولي الشرطة جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة الإشراف عليها ومتابعتها رغم الأحداث التي كان يشهدها شارع محمد محمود وميدان التحرير والميادين الرئيسية في هذا الوقت.

وتعرضت الشرطة خلال فترة حكم الإخوان إلى محاولة لإثارة الفتنة داخل صفوفها، فأطلقوا عناصرهم من الملتحين داخل الجهاز الذي راحوا ينظمون ويدعون إلى تظاهرات من رجال الشرطة، ودفعوا أيضًا ببعض الأمناء المعروفة توجهاتهم بإغلاق أقسام الشرطة ومديريات الأمن والاعتداء على كبار القادة، وكان كل ذلك بهدف إسقاط هذا الجهاز ومنعه من العودة مرة أخرى.

وبدءوا داخل البرلمان حربًا ممنهجة ضد وزير الداخلية محمد إبراهيم يوسف، سعوا من خلالها إلى تحميل الشرطة مسئولية أحداث النادي المصري في بورسعيد، والاعتداء على المتظاهرين في شارع محمد محمود وغير ذلك، إلا أن الوزير كان شجاعًا في المواجهة وجاء إلى البرلمان ليواجه أكاذيبهم وادعاءاتهم فسعوا التي عزله ومحاكمته لولا تدخل المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي رفض ذلك الابتزاز.

وعندما تولى اللواء أحمد جمال الدين منصب وزير الداخلية، تحالف منذ اليوم الأول مع القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وكان هذا التحالف علنيًا منذ الحادي والعشرين من نوفمبر 2102، وفي ظل حكم الإخوان، وهو أمر أثار حفيظة مكتب الإرشاد الذي راح يتآمر لعزلهما وإبعادهما عن صناعة القرار في القيادة العامة ووزارة الداخلية.

وعندما رفض اللواء جمال الدين استخدام العنف ضد المتظاهرين حول قصر الاتحادية في الرابع من ديسمبر 2102، بدأ الإخوان وجماعة «حازم أبو إسماعيل» إعداد خطة انتهت بعزله فجأة من منصبه في السادس من يناير 3102.
ظل الجهاز متماسكًا وغم المؤامرة التي أحاطت به من كل اتجاه، تارة باسم التطهير، وتارة باسم إعادة الهيكلة، وسعى خيرت الشاطر إلى التدخل المباشر في شئون جهاز الأمن الوطني، الذي حافظ على تماسكه وعلى أسراره رغم كل الضغوط وإرهاب الضباط والجنود باسم الرئاسة ومكتب الإرشاد.

سعوا إلى إنشاء ما سمى بـ«الشرطة المجتمعية» بديلاً لجهاز الشرطة، وراحوا يكلفون القيادي الإخواني محمد البلتاجي بالاستعداد لتولى منصب وزير الشرطة المدنية، وأطلقوا مندوبهم «أيمن هدهد» للتدخل في كل شيء، غير أن الجهاز كان حائط سد دفاعًا عن كيانه وكوادره.
ومضت الأيام، وفي 51 يونيو 3102 دعاني اللواء صلاح زيادة وقد كان رئيسًا لمجلس إدارة نادي الشرطة إلى اجتماع حاشد لأعضاء مجلس الإدارة ورموز من الضباط والجنود داخل نادي الشرطة في مدينة نصر، ويومها خرجت من هذا الاجتماع وأنا على ثقة أن بيان النادي سيفتح الطريق أمام دور متميز للشرطة في حماية مظاهرات 03 يونيو، ورفض حماية مقرات جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة.
وعندما التقيت وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم في مكتبه يوم 12 يونيو لمدة ساعتين، كان يؤكد أن الشرطة تقف جنبًا التي جنب مع جيش مصر العظيم في حماية المتظاهرين وحماية المنشآت العامة والخاصة.

كانوا صادقين، انتصروا لإرادة الشعب، وفي أعقاب الانتصار وسقوط حكم الإخوان كانوا يدفعون الثمن جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة، كان أول شهيد في رابعة بعد الثورة، ثم توالى الشهداء في كرداسة والعديد من المواقع والمحافظات، ولا يزالون يقدمون التضحيات حتى اليوم، فمواكب الشهداء لا تتوقف، وعيون الأمهات والآباء والزوجات والأبناء تذرف الدموع حسرة وألمًا.

وتمضى الأيام، وبعد الوزير مجدي عبد الغفار الذي تحمل عهده الكثير من الأزمات والتحديات، جاء رجل آخر تميز بالهدوء والحكمة وإدارة الملفات الصعبة بذكاء ووعى، ليس فحسب لكونه تربى في وتولى قيادة جهاز الأمن الوطني في مراحله المختلفة؛ مما أعطاه بعدًا سياسيًا في التعامل مع الأحداث، وإنما أيضًا لأنه يدرك أن التقدم الحاصل في كافة المجالات لا بد أن يواكبه تطور في أداء المؤسسة الأمنية، تقنيًا وعمليًا وحضاريًا في الأداء والمضمون والرسالة.

إن التحديات التي يواجهها جهاز الشرطة المصري، والمهام والأعباء الجنائية والسياسية والأمنية الملقاة على عاتقه تجعلنا ندرك حجم الأداء ومستواه، وهو ما يتجه في سرعة القبض على الجناة في كثير من الأحداث التي شغلت الرأي العام مؤخرًا وفي تجفيف منابع الإرهاب، والقدرة على استخدام المعلومة وتوظيفها في وأد الجريمة قبل وقوعها.

لقد رأيت أن أذكّر الكثير ممن ينسون أو يتناسون دور جهازنا الوطني في مراحله التاريخية المختلفة، ويتوقفون كثيرًا أمام أحداث وتجاوزات فردية، لا تعبر عن سياسة أو توجهات أو فلسفة هذا الجهاز الذي لا يعرف رجاله سوى العمل والعطاء والتضحية والفداء.

مواضيع أخري لهذا الكاتب