لحظة من فضلك!!

مصطفي بكري
مصطفى بكري

ما زلت أتذكر، سنوات طوال مرت، مسيرة شاقة، اختبار للذات وللمصداقية، منذ عام 1995 اتخذت قراري، قررت الترشح أمام وزير الأوقاف في دائرة حلوان، أزمات ومعارك، منافسة حامية الوطيس، كانت حديث مصر بأكملها، وقفنا في الخندق، فئات متعددة، أشكال وألوان، شباب وأطفال، نساء ورجال، مظاهرات عمت الشوارع، ومؤتمرات حاشدة ضمت عشرات الألوف، في الجولة الأولى حققت الإعادة بفارق بسيط جدًا، ولكن في انتخابات الإعادة زورت الانتخابات منذ الصباح، تم القبض علي العشرات من أعواني، وخرج حبيب العادلي، وقد كان مديرًا لأمن القاهرة، ليشهر بي وبهم في التليفزيون الرسمي، لم أتراجع، لم أتردد، لم أعلن سخطي علي الدولة، لم أحاول الإساءة إلي أحد، طلبت من أنصاري الهدوء، الصمت، نجوت من أكثر من محاولة اغتيال، كتمت غيظي، كان الناس هم همي الأول والأخير، ومضيت وقررت الاستمرار.. لا تراجع ولا استسلام..

لم أترك حلوان أو الناس، لم أحبط، بل مضينا سويًا، نرسم ملامح الغد الآتي..

عاد شباب بلدتي إلي بيوتهم بعد الجولة الساخنة، لم ينكسروا ولم ينهزموا، كانوا ذخرًا أعتز به، كما ظل شباب حلوان وأهلها مثار فخر لي في كل مكان..

مضت السنوات سريعة، وطوي الزمن صفحات وجاءت انتخابات 2000، بدأنا المعركة مبكرًا في ظل منافسة شرسة مع وزير الأوقاف أيضا، تصاعدت، انطلقت لتعم كل مكان على أرض حلوان، ذاع صيتها في كل مصر، كانت الصحافة ووسائل الإعلام تتابع كل كبيرة وصغيرة، وفي اليوم الموعود، أعلن رئيس اللجنة العامة نتيجة التصويت وكان الفارق بيني وبين الوزير في الجولة الأولى أكثر من 3500 صوت لصالحي، لكن المعركة لم تحسم، فقد أعلن رئيس اللجنة العامة الإعادة بيني وبين الوزير..

في الإعادة شاهدت العجب، منذ الصباح الباكر، تم اقتحام منزل أشقائي في حدائق المعادي، كان أكثر من 45 شابًا من بلدتي واقفين أمام المنزل استعدادًا للانتقال إلى حلوان، هجمت قوات الأمن ومعها أعداد من البلطجية، قبضوا عليهم، وزعموا أنهم يحملون أسلحة، كان من بينهم شقيقاي أحمد ومنتصر، تم الزج بهم في قسم البساتين، ذاقوا الأمرين، كان المطلوب إشغالي عن معركة الإعادة.

كان وزير الداخلية حبيب العادلي قد اتخذ قراره بإسقاطي بأي ثمن، منذ الصباح جاءوا بالقوات والخيول، وضعوا المتاريس وأكياس الرمال أمام اللجان، استعانوا بالبلطجية والمسجلات خطر، لقد جيء بهم من سجن القناطر والسجون الأخرى، منعوا الناخبين من التصويت، لم يُسمح إلا لأنصار الوزير، الذين جيء في أتوبيسات خاصة..

ثار الناس، رفضوا هذا الأسلوب، لكنني وجهت ندائي إلي الجميع بأن يتوقفوا، ويجب ألا ينجروا إلي هذا المستنقع، كانت الخطة معدة، وكان السيناريو يستهدف القبض علينا جميعًا، وتحملنا مسئولية أفعالهم.

سعيت كثيرًا، اتصلت بكافة الجهات المعنية، طلبت فقط السماح للناخبين بالإدلاء بأصواتهم، لكن القرار كان قد اتخذ..

ساعات من الألم والحسرة، لعنات أهل حلوان ومايو والتبين ارتفعت عاليا ضد الظلم، كان الناس يمضون في الشوارع غير مصدقين، تحولت الدائرة إلي سجن كبير، كتموا أنفاس الناس، وصادروا حرياتهم، وأغلقوا صفحة هذه الانتخابات ولم يملك الناس إلا أن يقولوا بحسرة: حسبنا الله ونعم الوكيل..

ويوم إعلان النتيجة كان يومًا حزينًا في حلوان كلها، فقد الناس ثقتهم في كل شيء، لكنني كنت علي يقين أن اللحظة سوف تأتي حتمًا، ورددت في أوساطهم مجددًا: لا يأس ولا استسلام..
<<< لم تنقطع علاقتي بحلوان، لم أتوقف عن خدمة أهلي، كنت أدق أبواب البيوت، أذهب إلى "المنادر"، أصطحب الأهالي إلي الوزارات والأماكن الحكومية سعيًا لحل مشاكلهم، لم أتوان، لم أتوقف قيد أنملة.. مضت السنوات، وجاءت انتخابات 2005 وتحقق الفوز الكاسح علي مرشح الحزب الوطني الحاكم رغم كافة الإغراءات، وخرج الناخبون يهتفون: " ليلة سودة، ليلة طين، علي اللي خدوا البطاطين"، وكانوا يقصدون بذلك آلاف البطاطين التي وزعها الحزب الوطني في الدائرة لكسب أصوات الناس.. احتفلنا بهدوء، لم نتباه، ولم نشمت في أحد، كان انتصارنا، انتصارا للناس، للغلابة، للمدافعين عن الوطن، للباحثين عن حلول لأزمات أهل حلوان البسطاء.. ومضت خمس سنوات من 2005- 2010 نائبًا في مجلس الشعب، فجرت العديد من القضايا المهمة الخطيرة، القمح الفاسد، العلاج علي نفقة الدولة، الخصخصة ومخاطرها، حديد الدخيلة واحتكار أحمد عز، التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، الأسمدة المسرطنة، تلوث حلوان، بيع بنك الإسكندرية، وغيرها، وغيرها.. ومع نهاية الدورة البرلمانية فاجأنا مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء باستفتاء أجراه على 1261 مواطنا عن الصورة الذهنية لمجلس الشعب عند المواطنين، حيث أسفر الاستفتاء الذي تم إجراؤه علي اختيار مصطفى بكري كأفضل نائب إيجابي في البرلمان وأحمد عز أكثر النواب الذين قاموا بأدوار سلبية في البرلمان.. قامت الدنيا ولم تقعد، تمت ممارسة الضغوط من خلال رئيس الوزراء أحمد نظيف علي د. ماجد عثمان رئيس المركز، طالبوه بوقف توزيع نتائج الاستفتاء, إلا أن الصحف كانت قد سبقت الجميع ونشرت نتائج الاستفتاء مما أثار غضب أحمد عز وثورته.. احتد الصراع بيني وبينه بشدة بعد أن قدمت استجوابًا عن احتكاره للحديد، وكيف امتلك غالبية أسهم شركة الدخيلة للحديد والصلب. لم يستطع إثنائي عن موقفي، فشلت كل محاولات التهديد والترغيب، اضطر في النهاية إلى أن يمزق دائرتي (حلوان ومايو والتبين) فصل مايو والتبين عن الدائرة وألحقهما بدائرة الصف وأطفيح. لم يجد وسيلة للتمهيد لإسقاطي في البرلمان إلا بتمزيق دائرتي، زحف أكثر من (15) ألفا من أهالي حلوان في منتصف عام 2010، حاصروا مجلس الشعب، حملوني علي الأكتاف وهتفنا ضد أحمد عز ومن يساندون أحمد عز.. اتصل بي اللواء أبو الوفا رشوان رئيس سكرتارية الرئيس مبارك في هذا الوقت قال لي: إن الرئيس مبارك يطلب منك أن ترشح نفسك في دائرة البساتين أو قنا بلدك، وثق أنك ستنجح، خاصة أن ما بقي من دائرة حلوان سيضم إلي الدائرة الأخرى التي سيترشح فيها د. سيد مشعل وزير الدولة للإنتاج الحربي، يومها قلت للواء رشوان: «أرجوك أبلغ الرئيس مبارك أنني لن أسمح لمخطط أحمد عز بأن يمر وأنني أفضل السقوط في دائرة حلوان عن النجاح في دائرة أخري». وجاءت انتخابات 2010، كانت الانتخابات حديث مصر أيضا، وأثناء إعلان النتيجة اتضح فوزي علي وزير الدولة للإنتاج الحربي بأكثر من ستة آلاف صوت، وفجأة تم إحراق بعض الصناديق علانية وأمام الجميع، تبعثرت الأوراق المحترقة، جاءت صناديق أخري من أماكن مجهولة، وبعد الفرز والتزوير حصل د. سيد مشعل علي 20.500 وأنا حصلت علي 19.800، رفض الناس هذه النتيجة بدءوا يتجمعون، حملت الصناديق المحترقة وذهبت بها إلى رئيس اللجنة العليا للانتخابات، قال لي بوضوح: لن أستطيع أن أفعل لك شيئا، تساءلت: كيف؟ ولماذا؟ ومن الذي يستطيع؟ تساؤلات لم تجد من يجيب عنها.. قلت له: حتى إذا قبلت بالأرقام المعلنة من قبل رئيس اللجنة العامة للانتخابات فهذا يعني الإعادة بيني وبين الوزير، ولكن حتى هذا لم يجد قبولا لديهم. عدت إلي حلوان وأنا أشعر بحسرة بالغة كان الناس يحتشدون في الشوارع ويحاصرون لجنة الفرز، وما أن وصلت إليهم، حتى بدأت المعركة احتجاجًا علي النتيجة، كاد الموقف يفلت في حلوان، بدأت الاشتباكات مع قوات الأمن، طلب مني العقيد حسن السوهاجي مفتش مباحث الجنوب في هذا الوقت أن أتدخل لوقف اشتعال الموقف.. لم أكن في حاجة إلي نصيحة من أحد، كان إلى جواري شقيقي محمود يذكرني بمقولات سبق أن قالها، "عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم". جاء صوتي عاليا: يا شباب حلوان، يا أهالي حلوان، توقفوا، وهيا لنجتمع إلى الميدان الرئيسي بجوار الكابريتاج، لنحدد موقفنا. في دقائق معدودة احتشد أكثر من 15 ألف شخص هتفوا رافضين، هددوا بإشعال حلوان كلها، حملوني علي الأكتاف، وجهت إليهم خطابًا حاسمًا: لن نقبل بالتصعيد، ولن نسمح بالعنف، سنلجأ فقط إلي القضاء وسنلتزم بالقانون حرصًا علي الوطن، وأمنه واستقرار.. وبالفعل لجأت إلى القضاء وحصلت علي حكم ببطلان الانتخابات، انتظرنا التنفيذ وإعادة الانتخابات لكنهم صموا آذانهم عن الجميع، لجأنا ثمانية نواب إلى تشكيل البرلمان الموازي، تم اختياري متحدثًا باسم البرلمان، عقدت مؤتمرًا صحفيًا علي سلالم مبني مجلس الدولة في ديسمبر 2012، بعد أن خرج الرئيس مبارك ليقول: خليهم يتسلوا. أيام قليلة وانطلقت المظاهرات في 25 يناير، أخذتني الريبة منذ البداية، رفضت المشاركة في اليوم الأول، ولكن عندما خرج الملايين، خرجت معهم، حملوني علي الأكتاف في الأزهر وميدان التحرير، ويوم أن شعرت بأن الفوضى ستعمّ، وبعد خطاب مبارك في الأول من فبراير الذي أعلن فيه أنه لن يرشح نفسه مجددًا، طالبت من على شاشة قناة المحور المتظاهرين بالتوقف والانصراف والانتظار لشهور قليلة يتولى فيها السيد عمر سليمان إدارة شئون البلاد ويبقى الرئيس موجودًا ولكن دون سلطات؛ خوفا من الفوضى وانهيار المؤسسات. انطلقت الهتافات، رفعت صورتي في ميدان التحرير، اعتبروني واحدًا من أعداء الثورة، وكان من المثير للسخرية أنهم اعتبروني من أذيال النظام السابق، قلت في نفسي:غدًا سيندمون. <<< مضت الأيام، تنحي مبارك عن الحكم، وقفت إلى جانب الشرطة والجيش بكل قوة، كنت أتنقل في الفضائيات مدافعًا عن الدولة وعن المشير طنطاوي، وعن المجلس العسكري، لاحقتني الاتهامات والحروب من كل اتجاه، قالوا: إنني عميل المجلس العسكري، وإنني وإنني، وإنني، لم أكترث كثيرًا، كان موقفي واضحًا: دفاع الدولة بكل مؤسساتها ورفض المؤامرة والتصدي لها مهما كان الثمن لقد عانت أسرتي كثيرًا، أبنائي، أشقائي، اختلف معي الأصدقاء والمقربون، تحملت بصبر ومعاناة، كانت لديّ ثقة في المستقبل، وكنت على يقين أن أقنعة المتآمرين ستسقط، نسيت كل جروحي وآلامي ومعاناتي طيلة سنوات سابقة، كان هدفي هو الحفاظ على الوطن فقط. وجاءت انتخابات مجلس الشعب 2011- 2012 حذرني البعض من الترشح، قالوا لي: أنت أكثر الأشخاص الذين يهاجمون في الفيس بوك، أعداؤك كثيرون. كنت أقول لهم: ثقتي في الناس لا يمكن أن تتزعزع، وهذا الغثاء.. لا أحد!! وجاءت الانتخابات عن دائرة التبين ومايو وحلوان وطرة والمعادي والبساتين وفزت فيها بالمقعد الفردي من أول جولة، وحصلت فيها علي 376 ألف صوت «المركز الأول فئات على مستوى الجمهورية». سجدت لله شكرا، حمدت الله كثيرًا، كانت رسالة لكل من يهمه الأمر، بقي المجلس لعدة شهور، سيطر عليه الإخوان والسلفيون، وعندما صدر حكم المحكمة الدستورية كنت أول المستقيلين من المجلس؛ احترامًا لحكم القضاء.. <<< دخلت معارك كثيرة ضد الإخوان منذ اليوم الأول وقفت سندًا قويًا للجيش والشرطة، توثقت علاقاتي بالمجلس العسكري، إيماني لم يتزعزع، وانتصر الشعب في 30 يونيو، وانحاز الجيش بقيادة ابن مصر البار الفريق أول عبد الفتاح السيسي للثورة الظافرة، وجاءت انتخابات مجلس النواب 2015- 2020 وفزت مجددًا ضمن قائمة «في حب مصر». ومضينا، لم أتغير، ثوابتي كما هي، مواقفي كما هي.. ثم جاءت الانتخابات الجديدة التي أعلنت نتائجها أمس بفوز القائمة الوطنية، حمدت الله كثيرًا، شكرت كل الشرفاء من أبناء الوطن، ترحمت علي الشهداء الذين ضحوا حتى ننعم بالرخاء والاستقرار، ومضيت إلي بلدتي «المعنا» وسط أهلي وناسي الذين أتنفسهم وأتنفس تراب الأرض التي يمشون عليها.

مواضيع أخري لهذا الكاتب