حروب الأجيال المتعاقبة "2"

الدكتور محمود بكري
د. محمود بكري

حلف الأطلنطي كان الأكثر اهتماما بتلك الحروب؛ لأن مصالحه تتأثر بها سلبًا وإيجابًا، فأجرى تقييمًا للأحداث والمعارك التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وبعض دول العالم لنحو نصف قرن من الزمان، واستخلص من ذلك تطوير أدوات مواجهته للقوى المستهدفة.

راح حلف الأطلنطي وعبر الدور الأمريكي البارز في تطوير أعماله، يرى ضرورة تحريك الجماهير ضد حكوماتها، في اعتصامات سلمية ومتمردة، واستخدم وسيلة تحريض الجماعات المتناحرة ضد بعضها البعض؛ لتحقيق هدف الاقتتال الشعبي داخل الدول؛ ما يؤثر علي وحدتها، وتماسكها، سعيًا وراء إسقاطها، والأكثر من ذلك أنه راح يمد بعض تلك المجموعات بالسلاح، وهنا راحت أحوال الدول تتغير، وتتبدل؛ حيث انخرط العديد من الفئات في العديد من البلدان في صراعات دامية، وعمليات تناحر لم تتوقف بعد.

وخلاصة ذلك أنه صار بإمكان مجموعات صغيرة أن تتحدى دولا كبيرة، وبتكلفة زهيدة للغاية، وبلغ الأمر حد تغير منظومة البشر أنفسهم في التعاطي مع دولهم، وهو ما تمثل في قدرة مجموعات من البشر في التمرد على السلطة، وساعد على نشر الفوضى في العديد من مناطق العالم، ولخدمة برامج العديد من الدول الأجنبية، وما شهدته منطقتنا العربية والشرق أوسطية خلال العقد الماضي هو خير نموذج علي ذلك؛ حيث راحت مجموعات سياسية وفكرية وخاصة من قطاع الشباب تتحول إلى أدوات ميدانية لصالح الغير.

كل ما حدث كانت بداياته في مفهوم العولمة، والذي سهل لبعض الدول ممارسة نفوذها خارج حدودها، وتمكنت بعض الشركات الكبرى من فرض وجودها وسيطرة منتجاتها وسلوكياتها على مستوياتنا المعيشية، فتمكنت بدورها من التأثير في مراكز صنع القرار، وباتت مشاركة في الحكم ودون أن تنتخب أو تُعيَّن، وهكذا أصبحت مناطقنا عرضة للتأثر بما تشهده أروقة الكونجرس الأمريكي والاتحاد الأوروبي؛ حيث تصاغ هناك القرارات وتصنع السياسات وفق توجه معين، ويفرضها لوبي معين، مثل لوبي النفط أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ونجم عن ذلك كله تراجع مفهوم الديمقراطية لصالح أجندات سابقة التجهيز.

العالم يتغير بسرعة، والتحولات الهائلة تؤثر على مجريات حياتنا، فالهاتف الذي كان ثابتا ولا تستطيع تحريكه، تحول الى موبايل صغير الحجم، تضعه في جيبك، ويغنيك عن كل وسائل الاتصال والمشاهدة، والأدهى أنه يستخدم كأحد أهم وسائل نشر حروب الجيل الرابع، وأصبحت الألياف البصرية، والتي تنقل الصوت والصورة والمعلومة قادرة على الوصول الى المواطن في أي مكان بالعالم؛ حيث تمتد ملايين الكيلومترات عابرة للبحار والشواطئ.

ومن ضمن نتائج هذه التطورات الهائلة، قدرة رجال المال والأعمال علي توظيف شبكة الانترنت والشبكات الخاصة لترويج المنتجات وتسويق البضائع وتسهيل العمليات التجارية للهيمنة على الأسواق، وهي امكانات تتاح فقط لمن يمتلكون أدوات التكنولوجيا والتقدم، وبالنتيجة تقع المثالب على من يفتقدون أدوات المعرفة، كما هو حال بعض بلدان منطقتنا، الأمر الذي يؤثر في مستقبل الأوطان، ويحول بينها وبين بلوغ سبل التقدم؛ ما يضع سؤالا حول منهجية الدول النامية في التعامل مع الواقع المتجدد، ومجابهة التحديات التي يشهدها العالم من حولنا.

وهنا يمكن القول إن ما تقوم به مصر حاليا يستهدف الخروج من حالة التراجع التي أصابت البلاد في العقود الماضية، ومواجهة الواقع المتطور في ظل الثورة الصناعية الرابعة، ولعل تشييد العاصمة الادارية الجديدة وغيرها من المدن الحديثة، والأخذ بنظام الحوكمة؛ ما يكشف إصرار الدولة المصرية على المضي قدما على هذا الصعيد لبلوغ ما حققته دول أخرى من تطورات متسارعة علي صعيد التطور والتحديث، خاصة أن ما يحدث في العالم ينتقص من هيبة الدولة، ويفرز هشاشة في أنظمة الحكم.

"يتبع"

مواضيع أخري لهذا الكاتب