محمود بكري يكتب : الأدلة المنطقية في براءة السلطات المصرية من دم ريجيني

الدكتور محمود بكري

خلال الأيام الأخيرة ، قامت القنوات الشيطانية وبعض الصحف الأجنبية ذات التوجيه والتمويل المشبوه من رموز الإرهاب ، بإثارة قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني من جديد ، والذي عُثر عليه مقتولًا في طريق القاهرة الاسكندرية الصحراوي – منذ حوالي خمس سنوات ، وكان يجري أبحاثًا حول نقابات العمال المستقلة في مصر ، واختفى يوم 25 يناير من العام 2016 ، ثم ظهرت جثته ملقاة على الطريق بعد عشرة أيام من إختفائه .

ومنذ مقتل ريجيني ، انتهجت الدبلوماسية المصرية سياسة النفس الطويل واستيعاب ردود الأفعال الإيطالية المختلفة على مدى خمس سنوات .. وقامت السلطات المصرية بالتعاون الكامل مع الجانب الإيطالي ، بهدف فك طلاسم هذه القضية للوصول إلى المتورطين في قتل ريجيني ، كما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي تكرارًا ومرارًا على ضرورة التعاون الكامل مع السلطات الإيطالية للوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة ، وذلك تعبيرًا عن سياسة الشفافية التي تتعامل بها القاهرة مع هذا الملف .

وبرغم الجهود التي بذلتها السلطات المصرية والنيابة العامة ، فإن الجانب الإيطالي لم يقدر حجم التعاون الذي قدمته مصر ولاتزال على مدى خمس سنوات ، ولم يقدر أن مصر الدولة والمجتمع لديهم نفس الرغبة في الوصول إلى الحقيقة ، لتحقيق العدالة أولًا ، والحفاظ على صورة مصر أمام الرأي العام الدولي ثانيًا ... ولذلك قدمت مصر كل ما طلبته السلطات الإيطالية من مستندات تتعلق بهذه القضية .
ومؤخرًا ، قامت السلطات الإيطالية بتوجيه الاتهام لـ 4 ضباط مصريين.

وحيث أنني لست قاضيًا أو محاميًا ، فلن أخوض في الأدلة القانونية لبراءة السلطات المصرية من تعذيب وقتل الباحث الإيطالي ريجيني ، ولكني سأركز بنظرة تحليلية على الأدلة المنطقية ، وهي من وجهة نظري كالتالي :

1- إن قيام السلطات المصرية بتقديم كل ما طلبه الجانب الإيطالي من تسجيلات تليفونية ، ومستندات ، وأوراق ، وتحقيقات ، يدل بشكل قاطع على أن مصر متأكدة تمامًا من سلامة موقفها ، وأنه ليس لديها ما تخفيه أو تخشى من إعلانه.

2- إن لغة العقل والمنطق لا تقبل أن تقوم قوات الأمن المصرية بقتل ريجيني ، لأنها مكلفة بحماية الأجانب في مصر وخاصة ريجيني لأنه قد تم تلميعه إعلاميًا على أنه باحث دكتوراه نشط في مجال النقابات العمالية ، وقد هاجم السلطات المصرية في مقالات صحفية تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان ، وبناء عليه لا يعقل أن تقوم أجهزة الأمن المصرية بتعذيبه وقتله لأنه أظهر نفسه في صورة الخصم .

3- من غير المنطقي أن يقوم رجال الأمن بقتل ريجيني ، ثم إلقاء جثته على الطريق ، ولو كان فعلها رجال الأمن لقاموا بإخفاء الجثة .

4- إن سياسة الدولة وأجهزة الأمن المصرية لا تقوم على التعذيب والقتل ، ففي السنوات الأخيرة تم ضبط حوالي 25 شبكة تجسس اسرائيلية في مصر ، وترصد بعض التقارير أن عدد جواسيس الموساد الذين تم تجنيدهم خلال العشرون عاما الأخيرة بلغ 64جاسوسًا 75% منهم مصريون و 25% إسرائيليون ، فضلًا عن إلقاء القبض على عدد كبير من الجواسيس أثناء أحداث يناير 2011 ، مثل جاريد كوهين Jared Cohen ، برنارد هنري ليفي - Bernard Henri Levi صحفي فرنسي يهودي ، وغيرهم ، ولم تقم قوات الأمن بقتل أو تعذيب أي منهم ، بل تعاملت معهم بشكل قانوني.

5- ليس من المعقول أن تفسد مصر علاقاتها بأوربا وخاصة إيطاليا ، بعد أن دعمت الحكومة الإيطالية خارطة الطريق التي نفذتها مصر بعد 30 يونيو ، كما دعمت مصر في حربها ضد الإرهاب .

6- إن مصر لا يمكن أن تفرط في مصالحها وعلاقاتها الاقتصادية مع إيطاليا ، خاصة أن إيطاليا تحتل المرتبة الـ 11 في قائمة الدول المستثمرة في مصر ، والثالثة من حيث الدول الأوربية بعد المملكة المتحدة وهولندا ، كما تبلغ الاستثمارات الإيطالية في السوق المصري نحو 2.1 مليار دولار ، موزعة على 1100 شركة ، وتوفر أكثر من 30 ألف فرصة عمل وتعمل في المجالات الصناعية والسياحية ، والانشاءات ، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ... هذا بجانب أن إيطاليا تلعب دورًا محوريًا لمساندة مصر في مساعيها للتحول إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة ونقلها إلى أوربا .

أتمنى أن يعي الجانب الإيطالي أن المستفيد من إثارة هذه القضية لإفساد العلاقات المصرية الإيطالية هم محور الشر (تركيا – قطر – الإخوان المسلمون) ، فهم يسعون بكل قوة لإفساد علاقات مصر مع أوربا وقطع العلاقات الاقتصادية لضرب اكتشافات الغاز الجديدة في البحر المتوسط .