أجيال الحروب المتعاقبة (4)

الدكتور محمود بكري
د. محمود بكري

كان للإعلام، ولا يزال، دور يتأرجح بين"الإخبار"و"التوجيه"..أي بين أمانة الخبر،ومصداقيته، وبين"التضليل"كوسيلة للتأثير علي الرأي العام.

والجديد في حروب"الجيل الرابع"أن كل المتنازعين يسعى لتحقيق الحشد الشعبي لمواقفه وسياساته..حيث إن الدعم الشعبي يشكل أبرز العوامل المساندة لتحقيق الأهداف المرجوة من وراء هذا الموقف،أو ذاك؛لأن حدوث هذا الدعم والمساندة،هو الذي يدفع بالحكومات لتوفير الميزانيات المطلوبة للمواجهات العسكرية،كذلك الحال بالنسبة للجماعات والتنظيمات السياسية.والتي تسعى لإنجاز أهدافها،اعتمادا علي داعميها ومسانديها،ولتحصيل الموارد التي تستهدفها.

ذلك يؤكد أن دور الإعلام تغير كثيرا عما كان في السابق.حيث تسارعت تكنولوجيات العصر،وأدوات التواصل،لينتقل العالم في بضعة عقود قليلة من الزمن،قد لا تتجاوز الثلاثة عقود،من "الهواتف الثابتة"إلي"الهواتف المتنقلة"إلي"الأجهزة الذكية"..كما أن وسائل نقل المعلومة نفسها تطورت بسرعة مذهلة،فبعد أن كان الناس يتواصلون عبر"البريد"وينتظرون أيامًا،وأسابيع لتحقيق هذا التواصل،البطيء للغاية..تطور الاتصال إلى اختراع أجهزة"التلكس"ثم"الفاكس"،ثم"البريد الإلكتروني"،وصولا إلى التواصل الشخصي بـ"الصوت والصورة"..كل ذلك حدث في أقل من أربعين عاما،وهو ما يكشف سرعة إيقاع أدوات التواصل المختلفة.

ومع دخول"الإنترنت"بواسطة"أجهزة الكمبيوتر"ثم عن طريق"الهواتف الذكية"،أصبح التخاطب سهلا،وباتت كلفته محدودة بالقياس لما يتحقق من فوائد..فبات من السهل إرسال المعلومة،ومن ثم تأثيرها الهائل علي متلقيها،ما حقق علي الجانب الآخر تطورا مهما،حيث لم تعد تلك المعلومة حقلا من حقول الإعلام،بل باتت متاحة لكل من يتمكن من الحصول عليها..وباتت كذلك تصل إلي قطاع واسع من الجمهور،لم يكن في مراحل سابقة من هواة قراءة الصحف.

كل ذلك يعني أن الإعلام لم يعد أداة"إخبار" أو"توجيه" فحسب، بل أصبح أداة لحشد التأييد الشعبي،وتأمين التمويل اللازم،وكذلك التسليح المطلوب لتلك الأعمال المستهدفة..وأصبح بمثابة أداة للصراع بين المتبارزين من أجل كسب ثقة الرأي العام..وباختصار"تحول الإعلام من أداة لنقل المعلومات إلي سلاح من أسلحة حروب الجيل الرابع الأساسية".

لقد أصبحت صراعات"الجيل الرابع"عابرة للحدود..وباتت عناصر النجاح في"لعبة الأمم"متاحة للفريق الضعيف في المعادلة الدولية،مثلما هي متاحة للفريق القوي،فسهولة الحصول على التكنولوجيات المتقدمة،حجم الفوارق بين الجميع،وباتت الحروب المتطورة،هي الأداة الأكثر حسما في معارك العصر الحديث .
"يُتبع"

مواضيع أخري لهذا الكاتب