الصعيد خط أحمر

مصطفي بكري
بقلم - مصطفى بكري

الصعيد هو مصنع الرجال.. ونساؤه يعرفن معني الكرامة والشرف جيدًا..

من الذي جرأكم علي أبناء جزء عزيز من الوطن؟ من الذي أفهمكم أننا نقبل بالإهانة ونتجاهل القيم والمبادئ والثوابت التي تربينا عليها؟

بين الحين والآخر يخرج علينا البعض، ليوجه الإهانات في أعز ما نملك، وهو الشرف والكرامة، ثم سرعان ما يبدي الاعتذار، سيناريو يتكرر بكلمات ممجوجة لا تراعي أحاسيس الناس ومشاعرهم، تسدد إلينا خناجر في سويداء القلب، نصبح مادة للسخرية والنكات، يعيرنا البعض بطيبتنا ونقائنا ويعتبرونهما سذاجة وغباء، مسلسلات وأفلام دأبت علي تقديم المواطن الصعيدي بصورة الرجل «القفل» لا يعرف الخيانة ولا التآمر، ويعتز برجولته، وحبه للوطن، واستعداده للإقدام والتضحية بلا حدود..

والصعيد جزء من كيان هذا الوطن، يعتز بمصريته، وهو شريك في الهم الوطني، وطرف أصيل في الدفاع عن كيان الدولة الوطنية، عائلاته وقبائله هي التي حمت أقسام الشرطة ومديريات الأمن بعد وقائع الفوضي التي شهدتها البلاد منذ أحداث 25 يناير..

لم يجرؤ، ولم يقبل واحد من أبنائه أن يكتب علي الحائط أو يهتف بهذا الشعار القميء: «يسقط حكم العسكر»، لأننا ندرك دور جيشنا وشرطتنا في حماية الوطن.

إن الأحداث التي تعج بها كتب التاريخ عن وطنية أبناء الصعيد ورفضهم للعنصرية والعرقية كثيرة، فنحن جميعا نعتز بمصريتنا ووطننا وندرك حقيقة المخططات التي تستهدفنا جميعا، رجالا ونساء وأطفالا.

أتذكر هنا واقعة رصدها كتاب «صعيد مصر في عهد الحملة الفرنسية» ترصد بطولة طفل صغير من أبناء الصعيد، عندما سارت حملة الجنرال «ديزيه» من بني سويف في 16 ديسمبر 1798 وذلك لمطاردة مراد بك وفلوله، وعندما وصلت الحملة إلي منطقة «ببا» قاصدة «الفشن» ببني سويف وقبل أن تصل هناك رابطت القوات الفرنسية بالقرب من قرية «الفقاعي» الواقعة علي الضفة الغربية للنيل.

وقد وقع هناك حادث أصاب الجنرال ديزيه وكبار الضباط الفرنسيين بالصدمة والدهشة، فبينما كان الجنود الفرنسيون ينتظرون وصول بقية الجيش تسلل أحد غلمان القرية إلي داخل المعسكر الفرنسي، وسرق بندقية أحد الجنود الفرنسيين، وحمل الغلام البندقية متوجها إلي قريته للدفاع عنها، فشاهده أحد هؤلاء الجنود، وجري خلفه وجري الغلام بأسرع مما يتوقع ولم يتوقف إلا بعد أن أصابه الجندي الفرنسي بجراح في ذراعه وجيء به أمام الجنرال «ديزيه» لمحاكمته، ودار بين الجنرال والغلام الحوار التالي:

- الجنرال: من الذي طلب منك سرقة البنادق؟

< الغلام: لا أحد. - الجنرال: من الذي دفعك لذلك؟ < الغلام: الله القوي. - الجنرال: هل عندك عائلة؟ < الغلام: أم فقيرة وعمياء. - الجنرال: إذا قلت لنا من الذي أرسلك، لن نعاقبك، لكن إذا امتنعت عن الكلام فسوف تُعاقب. < الغلام: لقد قلت لك، لم يرسلني أحد، والله وحده هو الذي أوحي لي بذلك، ثم ألقي بعمامته عند قدمي الجنرال ديزيه، وقال في ثبات وشجاعة: ها هو رأسي فاقطعوه. صُدم كافة الحاضرين من شجاعة الطفل وثباته، كان الطفل في الثانية عشرة من عمره، جميل الطلعة كأحد الملائكة جريئا وقويا، وكانت شجاعته هي التي منعت الجنرال ديزيه من قتله وإعدامه، وقرر جلده ثلاثين جلدة تلقاها الغلام بصبر وهدوء غريبين. هذا طفل من أطفال صعيد مصر، تعمدت أن أذكر قصته ليدرك الجميع مدي إخلاص أبناء الصعيد وتضحياتهم من أجل الوطن الغالي علينا جميعًا. لم يشتك الصعايدة في يوم من الأيام من معاناتهم وتفشي الفقر والبطالة بينهم، لم يتمردوا علي الحرمان والتهميش الذي عاشوه عقودًا طوالا، حتي جاء من ينصفهم ويواجه العالم بحقيقة أوضاعهم، إنه الرئيس الإنسان الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليؤكد هذه الحقيقة في المؤتمر الثالث للشباب الذي عقد في أسوان في 28 يناير 2017. لقد قال الرئيس حرفيا: «أبنائي، أبناء الجنوب، أنا علي يقين كامل بأنكم لم تحصلوا بعدُ علي ما تستحقونه، وأدرك إدراكًا عميقًا حجم معاناتكم علي مدار عقود من مشكلات متراكمة طالت كافة مناحي الحياة اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وأقدر حجم تضحياتكم وصمودكم أمام هذه المعاناة. وقال: ولأننا شرعنا سويا دولة وشعبا في المضي قدمًا نحو إعادة بناء الدولة المصرية الحديثة، فكان لزامًا أن يكون الصعيد وشبابه علي رأس أجندة العمل الوطني في هذه الفترة». هذه هي كلمات رئيس الجمهورية، الذي بدأ ومنذ وصوله للسلطة في وضع الصعيد علي أجندة التنمية التي تمضي إلي الأمام في انتظار المزيد، حتي تتراجع نسبة الفقر في الصعيد ويجد شبابنا فرصة للعمل بعد طول حرمان، وتنتفض الإدارات في كافة المحافظات لمواجهة تردي الخدمات في المرافق الحيوية لأبناء الجنوب. إن أبناء الصعيد يتداولون بقوة علي مواقع التواصل الاجتماعي كلمات الرئيس عن أصالتهم وشهامتهم التي أدلي بها في حوار تليفزيوني سابق عندما قال حرفيًا «أنا في المنطقة التي كنت أعيش فيها- يقصد الجمالية- كنت بشوف الصعايدة أرجل ناس، وأكثر الناس كرامة وكبرياء، تستطيع أن تعتمد عليهم وتثق فيهم بشكل كبير.. وقال الرئيس: هذه تجربتي أنا معهم، كنت أشوف ناس تيجي من بلادها في المنطقة اللي ساكن فيها واللي أنا فيها بتشتغل ومتبطلش، وبعد 10 سنين تجد لها كيان كبير. والناس دي لا تقبل تاخد حاجة من حد أبدًا، ولو فيه خناقة يقفوا جنب بعض. هذا هو كلام الرئيس ورؤيته للشخصية الصعيدية التي تتميز بالكبرياء والكرامة والأمانة والثقة فلماذا يتعمد البعض توجيه الإهانات إليها؟ لقد دأبت بعض القنوات الفضائية، بقصد أو بدون قصد، علي توجيه الإهانات إلي بعض الفئات الاجتماعية المختلفة في البلاد، دون مراعاة للمشاعر والأحاسيس، خاصة عندما يصل الأمر إلي المرأة، وتحديدًا في الصعيد، متجاوزين في ذلك كل القيم الأخلاقية التي نص عليها الدستور وكافة القوانين ومواثيق الشرف. وبالرغم من التحذير أكثر من مرة من ضرورة أن ينأي بعض الإعلاميين والصحفيين بأنفسهم عن هذه التجاوزات التي طالت أهلنا في الصعيد والنوبة وسيناء والأقباط وغيرها إلا أن كل ذلك يذهب أدراج الرياح، وكأن أحدا لا يريد أن يتعلم الدرس أو يتعظ مما سبق. لقد أثارت كلمات الإعلامي «تامر أمين» عن سيدات الصعيد والريف ردود فعل كبيرة داخل كافة الأوساط بلا استثناء. تلقيت مئات الاتصالات، جاء إليّ الناس في ديروط أو أمس خلال مرافقتي للفريق كامل الوزير أثناء افتتاحه بعض مشروعات وزارة النقل في هذه المنطقة ليعبروا عن استيائهم ورفضهم لمثل هذه الإهانات.. وإذا كانت بعض القنوات الفضائية العميلة قد استغلت هذه الأزمة لمحاولة التأجيج وإثارة الفتن لحساب أجندات مشبوهة ومعروفة، فنحن نقول لهم: «نحن أبناء مصر والذين ننتمي إلي صعيد الوطن أكثر الناس حرصا علي سلامته وأمنه واستقراره ودفاعًا عن مؤسساته الوطنية، نحن نثق في قيادتنا السياسية ورفضها لأية إهانة توجه إلي أية فئات من أبناء مصر من أي كائن كان، وندرك تمامًا أن حقنا لن يذهب سدي رجالات ونساء، لكل ذلك لجأنا إلي القانون، وإلي المؤسسات المسئولة عن الإعلام واحتكمنا إلي العدل والقانون والمؤسسات النيابية المختلفة لتضع حدًا لهذا التطاول والإهانات ضد العديد من الفئات الاجتماعية داخل البلاد». بقي القول: إن مصر العظيمة بكافة أبنائها، وأبناء الصعيد في مقدمتهم، قادرة علي تجاوز كل هذه الأزمات الطارئة، ووضع حد لكل التجاوزات، فالمشروع الوطني الذي يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي يوجب علينا الاصطفاف الوطني والسعي إلي التكاتف من أجل مزيد من الإنجازات، وفي مقدمتها المشروع العملاق مشروع «حياة كريمة» الذي سينقل القرية المصرية من حال إلي حال أفضل، ويعيد تغيير الصورة الذهنية عن القرية المصرية (4500 قرية بخلاف توابعها) لتصبح منارة تتمتع بكل أنواع الخدمات التي حُرمت منها علي مدي عقود طويلة من الزمن!!

مواضيع أخري لهذا الكاتب