مصر والإمارات والأزمات «المفتعلة»

مصطفي بكري
بقلم - مصطفى بكرى

الدعايات المغرضة لا تتوقف، ومحاولات الإثارة باتت على الأجندة اليومية المعادية لمصر وأمتها العربية، إنها محاولات تهدف إلى الفتن والتحريض، وإثارة النعرات، وبث الأكاذيب والشائعات.

وخلال الآونة الأخيرة بدأت تنتشر فيديوهات ومعلومات نعرف جيدًا من وراءها، الهدف منها هو بث الفتنة بين الشعب العربى فى كل من مصر والإمارات، واستخدام سد النهضة قاسمًا مشتركًا فى هذه الحرب التى تنطلق من جهات متعددة، لا تريد الخير لمصر أو الإمارات.

ويدرك الجميع أن هذا النوع من الحروب تحكمه أجندة سياسية، لها أهدافها الاستراتيجية، وتستخدم المعلومات المغلوطة وتسعى إلى توظيفها خاصة فى القضايا الحساسة والتى تمس الأمن القومى للبلاد.

تارة يصطنعون خلافًا بين البلدين حول الموقف من ليبيا، وتارة يتحدثون عن تراجع فى مستوى العلاقات والاستثمارات، ثم جاءوا أخيرًا وليس آخرًا ليتحدثوا عن دعم الإمارات للموقف الإثيوبى من سد النهضة.

ومن الواضح أن هناك من يتعامل مع هذه القضية على طريقة «ولا تقربوا الصلاة» دون التطرق إلى مجمل المواقف المطروحة.

وفى 13 مارس الماضى وتعليقًا على الأزمة المتصاعدة بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا من جانب آخر حول الموقف الإثيوبى المتعنت تجاه قواعد الملء والتشغيل لسد النهضة أصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولى فى دولة الإمارات بيانًا ركز على ثلاث نقاط هامة هى:

1- اهتمام الإمارات البالغ وحرصها الشديد على استمرار الحوار الدبلوماسى البنَّاء والمفاوضات المثمرة لتجاوز أي خلافات حول سد النهضة بين الدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان.

2- التشديد على أهمية العمل من خلال القوانين والمعايير الدولية المرعية للوصول إلى حل يقبله الجميع ويؤمِّن حقوق الدول الثلاث وأمنها المائى، وبما يحقق لها الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة، ويضمن ازدهار وتعاون جميع دول المنطقة.

وهذا الموقف يعكس بالتأكيد الثوابت التى أكدت عليها مصر تجاه التعامل السياسى والدبلوماسى مع أزمة سد النهضة وهى:

- التأكيد على أن أى اتفاق حول سد النهضة يجب أن يراعى قواعد القانون الدولى والاتفاقيات الدولية للأنهار عابرة الحدود.

- التأكيد على رفض الحلول الأحادية وضرورة التوصل إلى حل يرضى كافة الأطراف، وأولها الاتفاق على القواعد القانونية لملء السد وتشغيله.

- فى حال رفض إثيوبيا للحلول المرضية لكافة الأطراف والتى تراعى الأمن المائى لمصر والسودان فإن كل الخيارات باتت مفتوحة.

ولا شك أن موقف الإمارات من مصر ودعمها فى كافة المواقف والمجالات، ليس فى حاجة إلى أدلة أو أسانيد فهذا الموقف معروف منذ زمن الشيخ زايد طيَّب الله ثراه، كما أن هذا الموقف عبر عن نفسه بشكل واضح ومبدئي فى زمن الإخوان، حيث كانت الإمارات من الدول التى أكدت رفضها لحكم الجماعة الإرهابية فى هذا الوقت، ما دعا جماعة الإخوان ومحمد مرسى إلى إعلان عدائها السافر للإمارات ولقياداتها.

ولن ينسى المصريون أبدًا الجهد السياسى والدبلوماسى والاقتصادى لدولة الإمارات فى أعقاب ثورة 30 يونية وسقوط حكم جماعة الإخوان، حيث أوفد الشيخ خليفة بن زايد وزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد إلى الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية لإجهاض المؤامرات التى كانت تحاك ضد مصر فى هذا الوقت، خاصة أن هذه الأطراف كانت تعتبر ما جرى فى مصر هو انقلاب على ما كانت تسميه بـ«الشرعية».

لقد أشاد الرئيس عبد الفتاح السيسى أكثر من مرة بهذا الدور التاريخى لدولة الإمارات العربية المتحدة على كافة الأصعدة السياسية والتنموية.

ولا أنسى هذا اللقاء الذى أجراه الشيخ محمد بن زايد ولى عهد أبو ظبى بالوفد المصرى الشعبى الذى سافر فى ديسمبر 2013 برئاسة المستشار أحمد الزند لتهنئة الإمارات بعيدها الوطنى وشكرها على مواقفها الداعمة لمصر، عندما راح الشيخ محمد يتحدث عن هذه العلاقة التاريخية وقال: «إذا ما حدث مكروه لمصر فكل المنطقة معرضة لمخاطر كبيرة، وقال: نحن مع مصر فى كل كبيرة وصغيرة ومستعدون أن نتقاسم معها كسرة الخبز، فهكذا كانت وصية الشيخ زايد -رحمة الله عليه- وهكذا تكون مصر هى حجر الزاوية فى معادلة الأمن القومى العربى».

إن هذا المفهوم وتلك الرؤية لم تتغير بغض النظر عن تغير الظروف والأوضاع فى المنطقة وأظن أن ما أكده سفير دولة الإمارات العربية المتحدة فى مصر د.حمد سعيد الشامسى خلال زيارته للعديد من محافظات الصعيد مؤخرًا هو خير تعبير عن هذه الرؤية عندما قال: إنه مكلف من حكومته بدعم العلاقات مع مصر وقيادتها الرشيدة، لأن مصر تسكن فى عقل كل إماراتى والإمارات تسكن فى عقل المصريين جميعًا.

وإذا كان البعض يراهن من خلال هذه الحملات على ضرب إسفين فى العلاقة المصرية- الإماراتية فنحن ندرك تمامًا من يقف وراء هذه الحملات، ومن يحاول توظيف بعض المواقف بشكل غير صحيح، فهناك من يريد أن ينتقم من مواقف الإمارات التى دعمت مصر ولا تزال، وهناك من يسعى إلى عزلة مصر عن أشقائها.

وإذا كانت القيادة السياسية فى كلا البلدين تدرك وتعرف حقائق هذه الحملات المغرضة، وتسمو حتى فى الحديث عنها، فإن الشعب المصرى الذى قابل سفير الإمارات فى العديد من محافظات الصعيد عبر عن ذلك بإبلاغه أن المصريين لم ولن ينسوا دور الشيخ زايد ودور القيادة الحالية ودور شعب الإمارات فى الوقوف مع مصر، والتاريخ شاهد على ذلك.

لقد حكى لى أحد الأصدقاء الذى كان مرافقًا للسفير د.حمد الشامسى أن مواطنًا من الأقصر، كفيفا عندما علم بزيارة السفير إلى إحدى المناطق، اقترب منه وقال له: «أول ما تسافر بلدك روح قبر الشيخ زايد واقرأ له الفاتحة»!!

لم يتمالك السفير نفسه، واحتضن المواطن الصعيدى وقال له: «شكرًا لك وسأنفذ لك فى أول زيارة إلى أبو ظبى».

هكذا هو شعب مصر العظيم، شعب وفيّ، صادق لا ينسى أصحاب المواقف الذين وقفوا إلى جانبه فى كل الأزمنة والعصور.

من هنا يمكن القول إن هؤلاء الذين يراهنون على افتعال أزمة بين مصر والإمارات سيخسرون الرهان حتمًا، فالمصريون شعب لديه من الوعى والأصالة ما يجعله قادرًا على فرز المواقف ومعرفة الصدق من الكذب، وقد مر بتجارب خلال السنوات العشر الماضية أوضحت له من معه، ومن ضده!!

مواضيع أخري لهذا الكاتب