"لعنة كارامازوف" تجمع "دوستويفسكي" و"ميسرة صلاح الدين" بالأنفوشي

جيهان حسين

بتوقيت الزمن، كانت مجرد ساعة، لا يمر خلالها أكثر من "60" دقيقة، ولكن بحسب ما عاشه جمهور قصر ثقافة الأنفوشي، وبالتحديد في ساحة المسرح الكبير، كانت حقبة "زمكانية" من نوع خاص، امتزجت فيها الرواية بالفلسفة بالتمثيل بالرقص على خلفيات إضاءات مزركشة بمختلف معاني الحياة، تابع خلالها الجمهور العرض المسرحي "لعنة كارامازوف"، وبرغم كونه باللغة العربية الفصحى، فربما لأول وهلة يتخيل البعض أن متفرجيها لابد أن يكونوا على قدر مميز من الثقافة والإطلاع، خاصة وأن المسرحية مأخوذة عن آخر روايات الأديب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي، والتي قضى فيها آخر عامين يكتبها، لتكون تتويج أعماله الروائية التي حفرت قيمتها في مكتبة الأدب العالمي.

ولكن المدهش هذه المرة، أن رؤية معاصرة للرواية "الدوستويفسكية" الشهيرة، ختمها الكاتب المسرحي والشاعر ميسرة صلاح الدين بزاويته الخاصة، حيث مزج الشخوص الرئيسية للرواية الروسية "الأب وأبنائه الأربعة"، مع عدد آخر من الشخصيات الجديدة "المعاصرة"، أهمهم "أم وبناتها الثلاث"، لتكون ثمة مباراة ومواجهة نفسية يشعر معها المتفرج وكأنه أصبح طرفاً في الصراع الأبدي، بين الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، بني آدم وإبليس.

لعب الديكور دوراً غاية في الروعة، لتجسيد "عالمين" معاً على خشبة مسرح واحدة، فها هو العالَم "الدوستويفسكي" يتجسد فيما يشبه غرفة الملذات "التي يمارس فيها الأب السكير شهواته"، بينما يقبع تحت السلم الإبن المصاب بالصرع، محبوساً ينطلق بين حين وآخر، أما في الخلفية يظهر الأبناء الثلاثة في بعض الأحيان ليتحدثوا فرادى أو مجتمعين، أو ثنائيات تجمع بين الحكي والفلسفة، في منظومة إضاءة مؤثرة ومكملة للنص.

بينما تتحرك على أرضية المسرح، الشخصيات الأحدث "التي من وحي خيال المؤلف المصري"، الأم وبناتها واثنان من الشخصيات المساعدة "الخادم وزوجته".

تماهي وتداخل بين العالمين، يفهمه المتفرج بسهولة، وبينما نتابع قصة الأب "فيودور كارامازوف" الغارق في ملذاته، تتواتر أحاديث أبنائه بين "الغل"، و"الرغبة في الانتقام"، و"التسامح مع الخطأ البشري"، كل بحسب أبعاده النفسية، التي حافظ المؤلف المصري على ملامحها الرئيسة دون إغراق في التفاصيل، وبمجرد حوارات قصيرة يتبين المتفرج ملامح الإبن الأكبر "ديمتري" الذي يضيع وقته على الخمر والنساء، وها هو "إيفان" الكاتب والشاعر كثير التساؤلات الوجودية، و"إليوشا"، المتدين حامل الإنجيل، والإبن غير الشرعي "سميردياكوف"، المصاب بالصرع.

على الجانب الآخر من العالم، في زمننا المعاصر، نتابع الأم وبناتها، في ملحمة صراع موازٍ، فالأم هربت ببناتها من قسوة وخيانات زوجها (أبيهن)، ونتبين التفاوت النفسي الكبير لدرجة الصراع بين عوالم البنات الثلاثة، فالأولى كاميليا الفتاة الساذجة المثقفة، التي تجهل أموراً كثيرة في الحياة، وينطلق من خلالها تفاعل العالمين ببراعة، حين كانت تقرأ رواية "الإخوة كارامازوف" ثم تنام على مقعدها لترى "والدها" وكأنه حلم، بينما يرى المتفرج تفاصيل حوار الأب "كارامازوف" وملذاته، في تداخل مدهش بين العالمين، لتستيقظ الفتاة مفزوعة، ونتابع تفاصيل النقاش مع شقيقتيها "رجاء"، و"جميلة"، وكلاهما يختلف بالكامل عنها، فـ"جميلة" فتاة ماجنة تبحث فقط عن المتعة، أما "رجاء"، فهي مثال لـ"اللامبالاة"، غير مكترثة بأسرتها، وفقدت إيمانها بكل شيء، بينما الأم تحاول أن تشرح لهن لماذا جاءت بهن إلى القصر المهجور، هرباً من والدهن.

اختيار القصر المهجور، به ملمح مهم عن "سكن أشباح كارامازوف"، لإسقاط معاني الشر والخير والفضيلة والرذيلة في كل زمان ومكان، وإضفاء صور عكسية لحياة الأب وأبنائه، في مقابل الأم وبناتها، وتلعب الرقصات لـ"الأشباح" دوراً مهماً في تصعيد الصراع، لتقع الأم في "شرك الخطيئة" في الجزء الأخير من العرض، وتكاد تنجرف نحو المتعة الحرام مع "الأب كارامازوف"، في تداخل حميمي بين العالمين، وتنكشف كل الأحجبة بين العالمين، وتنطلق المواجهة النفسية وسلسلة التبريرات، وتظهر جميع الشخصيات وكأنما تناقش بعضها البعض، وتعود الأم لرشدها وتهرب من الخطيئة، ليتكالب الأبناء الأربعة على أبيهم "كارامازوف"، ويردونه قتيلاً في دراما إيقاعية حركية مبهرة انتزعت تصفيق الجمهور.

ملحمة أداء تمثيلي راقية أجاد فيها كل الممثلين، وبخاصة الأب والابن المصاب بالصرع، فقد استطاع لوهلة أن يطاول مشاهد الفنان القدير محيي اسماعيل في الفيلم العربي "الإخوة الأعداء"، المأخوذ عن الرواية نفسها، والتوافق العضلي العصبي الصوتي للإبن الأكبر وهو يتارجح ويكمل حواره الفلسفي.

كما أجادت الأم وبناتها الثلاث في تجسيد الاضطرابات النفسية المختلفة التي عشنها، وبدت كل واحدة منهن وكأنها تقف باقتدار على خشبة المسرح منذ زمن.

وأجاد المؤلف المصري، ميسرة صلاح الدين، في مزج عالمه الخاص، مع عالم "دوستويفسكي" ونجح في تضفير حوارات فلسفية مدهشة بين الرواية الاصلية وشخصياته الجديدة، وهو ما ظهر في حوارات الأبناء والبنات حول "كنه" الجحيم والعذاب، وعدم القدرة على الحب، والتخلص من الشيطان، وآلام الروح، وفلسفة "الرحمة" كمخلّص لكل الشرور، ومحطم لكل الصروح.

ومن حوارات العرض: "رغم كل شيء.. هذا هو قولك، رغم كل شيء، كم هي مخادعة تلك اللغة، عبارة بسيطة يصبح معها كل ما حدث أمراً تافهاً لا داعي للوقوف عنده".

وظهر "ميسرة صلاح الدين"، الشاعر، في أحد حواراته بالمسرحية حين يقول: "ما الشعر إلا سخف وحماقة، ما الشعر إلا هزل لا جد فيه، من ذا الذي يكلم العالم بكلام موزون ومقفى، لو اخذ الجميع يتكلمون شعراً ما وجدوا أشياء كثيرة يقولونها، صدقني، ما الشعر إلا كذب وتصنع".

وتتضح فلسفة عميقة في حوار كاشف لسبب هروب لمرأة وبناتها إلى قصر مهجور، بأن "الإقامة بمكان منعزل يجعل المرء يرى الأشياء التي لا يرغب في رؤيتها في الماضي بشكل أوضح، ومن الأفضل في هذه الحالة أن يواجها لا أن يهرب منها"، وحوارات بين أبناء كارامازوف عن أبيهم، وما تردّ به الفتيات عن والدهن، ليكتشف الجمهور، أن الأزمة واحدة مهما اختلف زمنها، فـ"كارامازوف" الأب الذي نسج ملامحه الأديب الروسي الكبير عام 1880، لم يختلف كثيراً عن "والد البنات" الذي أنطق به المؤلف المصري ميسرة صلاح الدين لسان شخصياته عام 2021، فكلاهما غير جدير بـ"صفة الأبوة" كما جاء على ألسنة الأبطال.

وكان للإخراج، للدكتور محمد عبد المنعم، دور كبير في تحريك المنظومة بالكامل على المسرح، مع كتيبة رقص متكاملة نجحت في إضافة أبعاد درامية جديدة، ومنظومة عمل احترافية أبدعت واجتهدت ونجحت في إخراج هذا العرض الراقي للنور، لعنة كارامازوف، من إنتاج الهيئة العامة لقصور الثقافة.

مواضيع أخري لهذا الكاتب