زيارة إلى «أبو حزام»

مصطفي بكري
بقلم - مصطفى بكري

وصلت إلى مطار الأقصر فى وقت مبكر من صباح السبت أول أمس، أتوق أنا إلى بلدتى، إلى أهلى فى قنا، قلبى يخفق، يأخذنى الحنين إلى الأرض والزرع، إلى ترعة قريتى التى شهدت جولات عديدة، ذكريات «الجميزة» التى شهدت قراءاتى منذ الصغر.

فى هذه المرة كانت وجهتى مختلفة، كنت قبلها بأيام قليلة قد أجريت اتصالات بعدد من أبناء قنا أسأل عن هذا الذى يجرى فى «أبو حزام» تحدثت مع الشيخ عبد المعطى أبو زيد ود.أحمد الكلحى وآخرين، وتواصلت مع شخصيات ورموز وشباب من «أبو حزام»، أسأل: كيف يمكن أن نضع حدًا للدماء التى تسيل بلا ذنب ولا جريرة، اثنا عشر شخصًا وخمسة مصابين كانوا ضحية الأحداث الأخيرة، قال لى أحدهم: الأوضاع متوترة وأنصحك بالانتظار. قلت له: يجب ألا نترك أهلنا وحدهم. قال: ولكن الوضع صعب، ويجب ألا تعرِّض نفسك للمخاطر.

كنت قد حسمت أمرى، سأذهب إليهم، مهما كان الثمن، الناس تحتاج إلى من يقف معها، ويواسيها، ويحاول أن يضع حدًا لشلالات الدماء التى تنهمر بين الحين والآخر بين أهلها.

قبل أن أذهب إلى هناك ذهبت إلى اللواء علاء سليم مساعد أول وزير الداخلية للأمن العام، رجل أمن من الطراز الأول، حكم وإنسان، مثقف وقارئ لخريطة الواقع. جلست معه جلسة مطولة مساء الاثنين الماضى، حدثنى عن «أبو حزام» وما جرى فيها، قال لى: إن تعليمات وزير الداخلية واضحة، لن نسمح أبدًا بأي فوضى أو مشاكل تعيدنا إلى المربع «صفر»، أبلغته بأننى أنوى السفر إلى أبو حزام، أبلغ بدوره اللواء شريف رءوف مدير مباحث الوزراء المقيم منذ الأحداث فى قنا، وطلب منى التواصل معه ومع السيد اللواء محمد أبو المجد مدير الأمن بقنا لمعرفة حقائق الوضع على الطبيعة.

مضيت إلى هناك، كانت الأحداث تتوالى، تأخر موعدى قليلاً مع اللواء شريف رءوف، لقد جرى التعامل مع أحد المحكومين، صاحب فيديو المخدرات، في منطقة «السمطا» وأدى التعامل إلى مصرعه وإصابة أحد الضباط.

التقينا سويًا، شرح لى الأوضاع فى «أبو حزام» وحقائق ما جرى، مضيت إلى هناك، وصلت إلى مدخل أبو حزام بعد حوالى ثلاثة أرباع الساعة، كانت هناك قوات أمنية ترابط على طريق مصر - أسوان باتجاه الطريق المؤدى إلى «القرية» التابعة إداريًا لمركز نجع حمادى، إلى جوارها تقع قرية «حمر دوم» الشهيرة.

هناك كان في انتظارى النائب محمد كمال موسى عضو مجلس الشيوخ عن دشنا ومعه أيضًا حسين بجاتو وعدد من العمد ومشايخ البلاد ورموزها، بينما كان معى فى السيارة الشيخ عبد المعطى أبو زيد ابن «أبو دياب» وأحد أبرز أئمة الدعوة فى قنا.

قطعنا بين الجبال والزراعات عدة كيلو مترات حتى نصل إلى القرية، لا توجد أي مساكن محيطة بهذا الطريق الجبلى، اقتربنا من القرية، مسالك ودروب عديدة، الشوارع ضيقة، والبيوت تجاور البيوت، لا تستطيع أن تفرق بين عائلة وأخرى.

كانت وجهتنا فى البداية إلى ديوان العوامر، هكذا اتفقت مع أحد شباب العائلة (نشأت أبو ممدوح) التقينا الأهل، الكبار والشباب، تحدثنا طويلًا، وجدنا ترحابًا كبيرًا، واستعدادًا للخير ووقف إسالة الدماء، من بعده توجهنا إلى ديوان آخر للعوامر، شارع آخر، بحيث يوجد الحاج عبد الصبور والد الذى أصابه الرصاص أثناء قيادته للسيارة الميكروباص التى كانت تقل عددًا من ركابها والذين لقى غالبيتهم مصرعهم.. تحدث الحاج جمعة ممسكًا بيد الحاج عبد الصبور، وقال في نهاية حديثى إليهم: إننا نثق فى الدولة والشرطة ونوجه التحية إلى هؤلاء الرجال الذين جاءوا إلينا لتحقيق الأمن والاستقرار.

ثم قال بلغة حاسمة: نحن نعدك أمام الجميع، أننا سننتظر حكم القضاء، نحن نلجأ إلى القانون، وبعد حكم القضاء سيكون رأينا واضحًا.

كانت الكلمات مؤثرة للغاية، التف حولنا الأهل، أدركت أن القضية أكبر من أحداث عارضة، القضية أننا أهملنا هذه المناطق كثيرًا، عزفنا عن الذهاب إليهم، ومناقشة مشاكلهم، ومعرفة أوجاعهم، وغياب التنمية عنهم.

قلت لهم: هذا الكلام يعبر عن أصالة حقيقية، واحترام للدولة وللقانون، واحتكام إلى العدل.

التف حولنا الناس، يدعمون هذه الكلمات، وهذا الوعد الذى جرى بحضور الحاج عبد الصبور وأهله من أبناء العوامر.

لقد لاحظت أن السعادة هلت على الجميع، تحدث الشيخ عبد المعطى ود.أحمد الكلحى والعديد من المواطنين، كانت الكلمات كلها تعبر عن الرضى ونبذ العنف وإغلاق هذه الصفحات الدموية التى عشنا فيها طويلًا إلى غير رجعة.

من هناك قطعنا مئات الأمتار مشيًا فى الشوارع الضيقة، والمتعرجة، حتى نصل إلى ديوان «أبو الريش»، حيث استقبلنا الشيخ شعيب ومعه العشرات من الأهل، فمنهم سقط عدد من ركاب السيارة الميكروباص.

لقد وقف الشيخ شعيب الذى ينتمى إلى عائلة دينية لها احترامها فى كل القرية ليقول كلمات واضحة: نحن معكم فى سعيكم للخير، نساندكم ونساند الشرطة والدولة من أجل أن تكون «أبو حزام» منارة بما فيها من مثقفين ورجال دين، وشخصيات عامة، نحن نقدر حضوركم إلينا فى هذا الوقت، ولا نملك إلا أن ندعم ونكون معكم، ليكون القضاء وحكمه العادل، هو الحكم بين الجميع.

وبعد هذه الجلسة عدنا فى الشوارع الضيقة التى تتوسط البلد، لنتوجه إلى ديوان «السعدية» فى أطراف القرية.

وبالفعل ما أن وصلنا إلى هناك حتى وجدت الأخ «معروف» وإلى جواره كبار العائلة.. اقترب منى الشاب الوطنى الجميل «عبد الحق مدثر» والذى تواصلت معه طيلة الأيام الماضية، ودخلنا إلى الديوان، كانت الكلمات مفعمة بالأمل، تحدثت عن حواراتى السابقة مع الأخ معروف والاستعداد للتمهيد لإنهاء هذه الأزمات لنبدأ عهدًا جديدًا فى «أبو حزام».

قال عدد من الحاضرين: يجب أن تتوقف الفيديوهات المسيئة على مواقع التواصل الاجتماعى، لأنها تؤجج الصراع والأزمة، فرَّد أحد الحاضرين من أبناء السعدية قائلًا: هؤلاء أناس يسعون إلى الفتنة ونحن نرفض هذا الأسلوب ولا نقبل به.

تحدثنا مطولًا، وطالبنا بضرورة أن نعظِّم ما بيننا من علاقات حسن الجوار والأخوة، وأن نُنْهِ إلى غير رجعة، قضايا الدم والثأر، لنَعِشْ فى أمان واستقرار.

قلت لهم: الشرطة حريصة على الأمن والاستقرار ووزير الداخلية كان يتابع بنفسه الأحداث التى وقعت، واللواء علاء سليم أرسل قيادات الأمن العام وفى مقدمتهم اللواء شريف رءوف مدير مباحث الوزراء، واللواء محمد أبو المجد مدير أمن قنا، واللواء محمد ياسر مدير المباحث والعقيد طارق أبو سديرة مفتش مباحث نجع حمادى وغيرهم لم يتوانوا لحظة عن المتابعة والسعى من بداية الأحداث إلى لملمة الأزمة وحصرها وانهائها بسرعة.

سمعت كلمات ومناشدات للحكومة بأن تنظر إلى منطقة «أبو حزام» و«حمر دوم» ونجع سعيد وغيرها من المناطق، فهذه المناطق تكاد تكون معدومة الخدمات: التعليم، الصحة، الشوارع، مكاتب البريد، الشهر العقارى، منطقة معدومة الخدمات.

مضينا من هناك في تمام الساعة الرابعة عصرًا، كان الأمل يحدونا جميعا، لقد توصلنا إلى وعد بوقف أى تصعيد في الفترة القادمة حتى يحسم القضاء ويصدر أحكامه على المتهمين، وساعتها ستكون الخطوة التالية لإحلال السلام بين الأهل بشكل نهائى، ووضع حد لقضية الثأر أو المشاكل بين أبناء القرية الواحدة التى عرف عنها قيم الأصالة والشهامة والكرم.

وبينما أنا فى الطريق للخروج من القرية اتصل بى أحد الضباط من الأصدقاء فى القاهرة وقال لى: كيف تدخل إلى أبو حزام دون حراسة أمنية، قلت له: إذن أنت لا تعرف أهلنا، عيب أن أدخل إلى أهلى بحراسة أمنية، هؤلاء الرجال لا يعرفون الغدر بل إن من قيمهم: التوقف عن إطلاق النار فيما بينهم لو كان هناك ضيف أو شخص غريب يمر فى الطريق فى هذا الوقت، فكيف تظن الغدر فى هؤلاء الرجال الأصلاء.

من هناك توجهت إلى بلدتى لأقضى فى بيت أسرتى عشر دقائق فقط، وأمضى إلى الأقصر حتى أصل بالكاد إلى هناك لاستقل الطائرة المغادرة إلى القاهرة.

قبل أن أصل إلى المطار كان أحمد نوفل ابن الراحل «نوفل» والذى يسكن فى منطقة «حمر دوم» يتصل بى، ويعتب علىّ، لماذا لم أخطره، أو أزره فى قريته التى تعانى نفس معاناة «أبو حزام» وعدته بأن أحضر إليه فى أقرب وقت، بلادنا واحدة، وهمنا مشترك.

<<< فى الطريق إلى القاهرة، كانت المشاهد تسيطر على عقلى وتترسخ فى ذاكرتى، وجوه الرجال والشباب، والأطفال الذين قابلتهم، يبحثون عن الأمن والسلام والاستقرار، والحياة الكريمة. عن الشباب العاطل، والبيوت الفقيرة وندرة الخدمات، عن الناس الذين عانوا ولا يزالون يعانون، عن رجال الأمن الذين يقدمون الغالى والرخيص.. هؤلاء أهلنا، ولا خير فينا إن لم نكن معهم، وإلى جوارهم فى كل الأزمات التى يعيشونها.

مواضيع أخري لهذا الكاتب