وغابت فرضية التغيير

سناء السعيد
سناء السعيد

ضربة قاصمة أطاحت بنتانياهو بعد أن صوّت الكنيست الإسرائيلي، مساء الثالث عشر من يونيو الجاري، على منح الثقة لائتلاف (بينيت - لابيد) أو ائتلاف التغيير كما أطلقوا عليه ليتم تناوب المنصب بين زعيم حزب (يمينا) اليميني "نفتالي بينيت" لمدة عامين قبل أن يؤول المنصب إلى "يائير لابيد" ليستمر حتى نوفمبر 2025. كان يتعين أن يكون تاريخ النتن في سدة السلطة على مدى 12 عاما أداة تحذير للحكام الجدد.ذلك أن شرعنة النتن للاستيطان ومواصلته في قضم الأراضي الفلسطينية ومصادرة حقوقهم والقفز على كل مرجعيات عملية السلام بما فيها الوضع القانوني للقدس كان سببا في هزيمة إسرائيل في حرب غزة الأخيرة التي اندلعت في العاشر من مايو الماضي، فهي الحرب التي شنتها إسرائيل ظلما وعدوانا على الفلسطينيين في غزة، ورغم ذلك جاءت بنتائج مبهرة للفلسطينيين ومربكة لحكومة نتانياهو، ويكفي أنها عجلت بسقوطه، فهي الحرب التي أثبتت جدارة الفلسطيني في المعارك وبالتالي كانت بمثابة تحذير للكيان الصهيوني من أن أي حرب قد تشتعل في المستقبل سيكون الثمن الذي ستدفعه إسرائيل باهظا.

إسرائيل التي عجزت عن أن تكسب المعارك.. عجزت عن أن تحتضن السلام فحلت بها الهزيمة النكراء بسبب أخطاء تقديرات ساستها وعلى رأسهم النتن الذي ظن أنه قد نجح في مرماه، وأنه السياسي الشرس الذي يخشاه الجميع والذي لن يجود الزمن بمثله. بيد أن من ترأس الحكومة الجديدة " نفتالى بينيت" اتبع نهج النتن وكشف عن وجهه القبيح حيال السياسة التي سيعتنقها عندما قال:" يجب قتل الإرهابيين الفلسطينيين وليس إطلاق سراحهم، والضفة ليست تحت الاحتلال لأنه لم تكن هناك دولة فلسطينية، وأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا يمكن حله". هذا فضلا عن أن "بينيت" يعد من أشد المعارضين لقيام دولة فلسطينية، ولهذا فإن فرضية التغيير التي وعد بها الائتلاف الحكومي الجديد لم تتحقق، فلقد تبنى الائتلاف نفس المسار الذي اتبعه نتانياهو.

ولا غرابة فلقد لعب احتلال الضفة وغزة منذ عقود دورا مركزيا في السياسة الإسرائيلية وفى الجدل الذي أثير حول اتجاه المشروع الصهيوني، فحتى بعد فشل اتفاقات "أوسلو" ظل رؤساء الوزارات المتعاقبون على الأقل موالين من الناحية النظرية لفكرة تنفيذ حل الدولتين. بيد أن النتن تبنى نهجا مختلفا إذ باع للإسرائيليين فكرة أن احتلال ملايين الفلسطينيين بالإكراه يمكن إدارته على أنه مصدر إزعاج فقط وليس تهديدا وجوديا. وتأكد ذلك وثبتت صحة استراتيجية النتن هذه بأكملها عندما قربه "ترامب" له واحتضنه ومنحه عطايا كثيرة توجها بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وضم مرتفعات الجولان. هذا فضلا عن سلسلة من صفقات السلام التطبيعي التي أبرمت مع دول عربية.

وفي خضم هذا النجاح الوطني الذي حققه النتن لإسرائيل لم يكن صعبا الترويج له بين الناخبين، والذي يرتكز على أن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني باقٍ بشكل فريد، وأن الأفضل

إدارته كمشكلة والعمل على تحجيمها بدلا من حلها طالما ظل العناد الفلسطيني قائما. وهي نفس الرؤية التي يتبناها اليوم "يائير لابيد " زعيم الكتلة الأكبر في الائتلاف والذي سيؤول إليه منصب رئيس الوزراء في عام 2023 وذلك فيما إذا صمد التحالف بمعجزة، والرجل يمثل شريحة ضخمة ومهمة من الوسطيين والعلمانيين. بيد أن سنوات النتن في الحكم أظهرت أن هذا الهدف ليس إلا وهمًا، ولم يكن هناك خيار آخر سوى الإبقاء على الوضع الراهن كما هو وما يبدو اليوم على أرض الواقع أن الخيارات التي قد تأتي الآن في ظل الائتلاف الجديد لن يتغير منها إلا القليل وسيقتصر هذا على الظاهر فقط.. .

مواضيع أخري لهذا الكاتب