الجنون الإثيوبي

خالد محمد علي
خالد محمد على

في تصعيد جديد للموقف الإثيوبي لوحت أديس أبابا بقدراتها العسكرية، وقال الجنرال بوتاباتشا، مدير إدارة الهندسة في وزارة الدفاع الإثيوبية، إن مصر إذا هاجمت سد النهضة لن تستطيع تدميره، وإن إثيوبيا على استعداد للمواجهة العسكرية مع مصر.

وأوضح الجنرال أن بلاده بدأت في مرحلة الملء الثاني، مؤكدًا أنه بعد الانتهاء من الملء الثاني سيكون كل شيء آمنًا، وسيأتي الجميع لبحث مقترحات تقاسم المياه، وليس بناء سد النهضة، وإنما كيفية تقسيم المياه.

وجاء التهديد العسكري الإثيوبي متوافقًا مع الرد المتسلط لأديس أبابا حول طلب السودان من مجلس الأمن بحث أزمة سد النهضة، وإصدار قرارات توقف الصراع، وتلزم إثيوبيا بالتوقف عن الملء الثاني، وتوقيع اتفاق ملزم مع دولتي المصب مصر والسودان حيث رفضت الحكومة الإثيوبية طرح الموضوع أمام مجلس الأمن بزعم أن سد النهضة مشروع تنموي، ولا يشكل تهديدًا على دولتي المصب، وبالتالي فإن مجلس الأمن ليس الجهة المخولة ببحث الأمر، وأن الاتحاد الإفريقي من يختص ببحث أزمة سد النهضة، خاصة وأن دولتي المصب مصر والسودان أعضاء في الاتحاد الإفريقي.

وتحاول إثيوبيا إقناع العالم أنها تتعاون، وتقدم تنازلات في ملف سد النهضة، ولكن مصر والسودان هما من يماطل، ويرفض تلك التنازلات في جميع جولات التفاوض، وعلى الرغم من أن تلك المزاعم تسقط تمامًا أمام مطلب واحد لدولتي المصب، وهو التوقيع على اتفاق قانوني وملزم إذا كانت إثيوبيا جادة في التفاوض.

ويرى المراقبون أن التلويح بالقدرات العسكرية الإثيوبية، والذي جاء على لسان أحد قادة الجيش الإثيوبي قبيل أيام قليلة من البدء في الملء الثاني في نهاية هذا الأسبوع يشكل تهديدًا عسكريًّا واضحًا لدولتي المصب وتنفيذ عملية الملء الثاني تحت مظلة التهديد بالقوة العسكرية، فهي رسالة مباشرة بأن إثيوبيا تمتلك قدرات عسكرية فائقة لحماية سدها عبر منظومات من الدفاع الجوي خاصة منظومتي بانسير، وسام ٧٥.

ويبدو أن إثيوبيا قد قررت الدخول في مواجهة عسكرية لفرض الأمر الواقع، والانتهاء من الملء الثاني حتى تستطيع هي أن تقرر من تمنحه المياه، ومن تمنع عنه المياه.

ويُجمع المراقبون على حقيقة أن نجاح إثيوبيا في إكمال إنشاءات السد التي تسمح بالملء الثاني سيجعلها وحدها صاحبة القرار في مياه النيل الأزرق لأن اكتمال تلك الإنشاءات، والتعبئة الثانية يجعل العمل العسكري مستحيلاً من قبل مصر والسودان.

وتأتي استحالة العمل العسكري في ظل احتجاز ثمانية عشر مليارًا ونصف المليار متر مكعب من المياه بعد الملء الثاني تمثل انفجارًا بركانيًّا سيبتلع كل الشمال السوداني والجنوب المصري في حالة توجيه ضربة عسكرية بعد اكتمال تلك الإنشاءات، والانتهاء من عملية الملء الثاني.

ويعتمد صناع القرار في بلاد الحبشة إطلاق التصريحات المتزامنة مع كل مرحلة من مراحل إنشاء السد حيث انطلقت تلك التصريحات منذ عشر سنوات تعمدت فيها إثيوبيا الكذب، والخداع وشراء الوقت لحين الوصول إلى النقطة الفاصلة، ثم تبدأ مرحلة التهديد العسكري الذي حشدت له قوات عسكرية في بني شنقول، حول سد النهضة، وداخل الحدود السودانية في إقليم الفشقة.

وكشفت تصريحات الجنرال الإثيوبي عن الاستهانة الواضحة بكل الوساطات الإقليمية والدولية التي حاولت وتحاول إنهاء الأزمة وفقًا للقانون الدولي والاتفاقات الدولية وعلى رأس هذه الوساطات ما تقوم به أمريكا من محاولات حثيثة من إقناع صناع القرار في بلاد الحبشة بضرورة الالتزام بالقوانين الدولية، وعلى حماية أكثر من ١٥٠ مليون مصري وسوداني يحتاجون إلى مياه النيل الأزرق.

وكشفت تصريحات الجنرال الإثيوبي مدى الغرور والغطرسة التي بلغتها قيادات الجيش الإثيوبي فهي جاءت متحدية لتصريحات الخارجية الأمريكية التي أطلقها صامويل وربيرج المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية، والتي أكد فيها أن بلاده لن تترك 100 مليون مصري بلا مياه، وأنها تعمل لإنهاء الأمر وفقاً لقواعد الوساطة والدبلوماسية، كما أنها تشكل تحديًا لتصريحات قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال كينيث ماكنزي، والتي أكد فيها قلق بلاده الحقيقي من الموقف الإثيوبي المتعنت في ملف سد النهضة.

الغرور الإثيوبي إذن يتصاعد من التلويح بالقوة العسكرية ضد مصر والسودان إلى الاستهانة بقادة الجيش الأمريكي، ويضاف كل ذلك إلى الاستهانة بالمجتمع الدولي، وتقارير المنظمات الدولية التي تحاول إنقاذ أبناء تيجراي من عمليات الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب التي ترتكبها حكومة أبي أحمد ضد المدنيين من الرجال والنساء والأطفال في الإقليم.

ويبقى أن كل ذلك يمكن وصفه بالجنون الإثيوبي الذي لا يرى أهمية لوجود شعبي وادي النيل ولا يبالي برفض لتصرفاته من كل دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية الإمبراطورية الأكبر في التاريخ.

مواضيع أخري لهذا الكاتب