المسيرة مستمرة

بقلم - مصطفى بكرى

فى الخامسة من صباح أمس الأول السبت، كان موعدنا، حملتنا طائرة عسكرية، اتجهت بنا إلى قاعدة «سيدى برانى»، ومن هناك توجهنا بالأتوبيس إلى قاعدة «3 يوليو» البحرية، والواقعة على مسافة 140 كيلو مترًا من الحدود الليبية.

كنتُ أغوص فى ذكريات السنوات الماضية، هاهى ثمانى سنوات مضت على يوم الانتصار العظيم فى الثالث من يوليو 2013..

أتذكر صورة القائد العام الفريق أول عبد الفتاح السيسى، وهو يقف وسط جمع من القوى المدنية والعسكرية، معلنًا انحياز الجيش المصرى إلى شرعية الشارع، 33 مليونًا كانوا قد خرجوا يتظاهرون ضد حكم الإخوان، ويطالبون بتدخل الجيش..

القائد العام يرفض مطلب الكافة بتولى رئاسة الدولة لحين الانتخابات، ويصر على تولى رئيس المحكمة الدستورية، يطرح برنامج عمل، يتضمن قواعد هامة تحكم المرحلة الانتقالية، الدستور، الانتخابات الرئاسية، عودة الحياة النيابية، استكمال بناء مؤسسات الدولة، تحقيق المشروع الوطنى الاقتصادى، والاجتماعى، والسياسى..

كان الأتوبيس الذى يقل عددًا من رجالات الصحافة، والإعلام يمضى سريعًا، مخترقًا هذه الصحراء الواسعة، تذكرتُ أيام الإخوان والعنف والإرهاب، كنا نشعر بالألم والقلق على مصير الدولة، وهوية الوطن، الخوف كان يسود البيوت، لم يكن هناك أمل في المستقبل، كنا نقاوم، ولكننا لم نكن على ثقة بأن الأمور ستلقى نهايتها سريعًا..

فى الثامن والعشرين من أبريل 2013، كانت مصر على فوهة بركان، تمت دعوتى لحضور احتفال القوات المسلحة بذكرى تحرير سيناء فى نادى الجلاء، تحدث القائد العام الفريق أول عبد الفتاح السيسى، كانت كلماته قوية، حالمة، مصر أم الدنيا وحتبقى أد الدنيا، ياه اشتقنا إلى اسم «مصر» كثيرًا، سألت نفسى كيف يمكن أن تصبح «أد الدنيا» والإخوان جاثمون على صدورنا، كاتمون لأنفاسنا، يطمسون هويتنا، ويذهبون بالوطن إلى نفق مظلم!!

سالت الدموع من عيون الحاضرين، تساءلنا، ولم تكن هناك إجابة، تعلقنا بالأمل، وأدركنا مجددًا أن جيشنا العظيم لن يتخلى.

مضت في النهر مياه كثيرة، معارك وأزمات، حكايات متعددة عن الدم والموت والخراب، لكن الأحلام لم تفارقنا خصوصًا بعد أن بعث القائد العام روح الأمل فينا من جديد..

خرجنا فى الثلاثين من يونيو، وانتصرنا في الثالث من يوليو، واجهنا الصعاب، تمسك القائد بثوابته، وحرصه على الوطن، وأمنه، واستقراره، يد تبنى، ويد تحمل السلاح..

تحمل الكثير، واجه المخاطر، تصدى بصدره، حقق المستحيل، فى زمن قصير، وضع سيمفونية تدرس، انتقل من الإنقاذ إلى الإنجاز إلى الإعجاز، هاهى مصر تعود قوية، تصبح فى سبع سنوات رقمًا رئيسيًا في المعادلة، تبنى ولا تهدم، تحمى ولا تهدد، تضع الخطوط الحمراء لكل مَن يحاولون العبث بأمننا القومى..

الآن وصلنا إلى القاعدة، بعد ساعة ونصف من المضى فى الطريق، أتأمل هذا الإنجاز العظيم، دقائق معدودة، ودعينا إلى المنصة، نستمع إلى مقدم الاحتفال، صاحب الصوت الجهورى، الذى تعودنا عليه كثيرًا قبل الثورة، وبعد الثورة، العميد ياسر وهبه، وقف يقول: «إن لم نكن قادرين على حفظ كرامة، ومقدرات الأمة فباطن الأرض أولى بنا من ظاهرها.. إن مصر مهما طال صبرها لا يمكن أبدًا أن تفرط في حق من حقوقها.. رياح الجيش المصرى شديدة، لا تثور، ولا تنتفض إلا إذا تعلق الأمر بالأمن القومى المصرى، والعربى".

كلمات قوية، تحولت فى دقائق إلى «لينكات» يتم تداولها بالملايين على صفحات التواصل الاجتماعى، إنه الجيش المصرى العظيم، وقادته ورجالاته الذين يدافعون عن الوطن، وأمنه القومى.

تحدث الفريق أحمد خالد قائد القوات البحرية، كانت كلماته تعكس قدرات البحرية المصرية، وقيمة، وقدرة قاعدتنا البحرية «3 يوليو» التى طلب القائد الأعلى ضرورة إنجازها فى أقرب وقت ممكن.

وقال: إن القاعدة رسالة سلام وتنمية للمنطقة بأكملها.

وكان من المهم أن نستمع من الفريق أحمد خالد إلى أن التحدى كان كبيرًا، والمتابعة المستمرة، والدقيقة كانت حافزًا، وداعمًا، وأن عامل الوقت، والدقة والجودة وحسن إدارة الموارد كانت عنصرًا حاكمًا فى تنفيذ خطة التطوير الشامل للقوات المسلحة.

لقد شارك فى هذا الحفل والمناورة البحرية «قادر 2021» العديد من القادة، وممثلو عدد من البلدان العربية والأجنبية، كان فى مقدمتهم الشيخ محمد بن زايد ولى عهد أبو ظبى، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، الذى كتب على حسابه الرسمى في موقع تويتر قائلاً: "سعدت بحضور افتتاح قاعدة «3 يوليو» البحرية المصرية فى منطقة جرجوب".. وأضاف: "مصر بقيادة أخى عبد الفتاح السيسى تشهد إنجازات بارزة فى مختلف القطاعات الحيوية، كل التوفيق للشعب المصرى الشقيق فى مسيرته نحو البناء والتنمية".

لقد قام الرئيس برفع العلم المصرى على القاعدة البحرية، وإلى جواره القائد العام للقوات المسلحة، ورئيس الأركان، وقائد القوات البحرية، والعديد من القادة، حيث وقع الرئيس وثيقة إنشاء القاعدة.

لقد أكد المتحدث باسم الرئاسة المصرية أن هذه القاعدة تعد إضافة جديدة لمنظومة القواعد البحرية المصرية، وذلك ضمن خطة التطوير الشاملة للقوات البحرية، بحيث تكون نقاط ارتكاز، ومراكز انطلاق للدعم اللوجيستى للقوات المصرية فى البحرين الأحمر، والمتوسط، لمجابهة أى تحديات، أو مخاطر قد توجد بالمنطقة، وكذلك مكافحة عمليات التهريب والهجرة «غير المشروعة».

إذن هذه هى أهداف القاعدة العسكرية البحرية الجديدة، حماية الأمن القومى لمصر، والأمة العربية فى البحرين المتوسط والأحمر، وهو أمر يجعل مصر وأمنها فى مأمن من المخاطرات، والمؤامرات التى تحيط بها من كافة الاتجاهات الاستراتيجية.

وهكذا يدرك المصريون مجددًا أن قيادتهم، وقواتهم المسلحة واعية بالمخاطر، خاصة تلك التى تهدد أمن مصر المائى والقومى، وهم على ثقة بأن القائد الذى انحاز للشعب فى ثورة الثلاثين من يونيو عاد مجددًا، ليؤكد وفى الثالث من يوليو بعد ثمانى سنوات أن قضية الأمن القومى المصرى، والحفاظ على الوطن، ومصالح شعبه هى القضية الأهم التى تعطيها القوات المسلحة الأولية على جدول أعمالها..

إن فرحة المصريين بهذه القاعدة تفوق أى توقعات، ذلك أن المصريين أدركوا منذ فترة طويلة أن امتلاك القوات المسلحة لقدراتها القتالية، وتسليحها المتقدم هو وحده الضامن لحماية أمنها، واستقلالية قرارها..

إن ما حدث أمس الأول يمثل إضافةً جديدةً إلى إنجازات هى أقرب إلى المعجزات شملت كافة مناحى الحياة العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التى تحققت خلال الفترة الماضية.

إن أحدًا لا ينكر وجود العديد من المشكلات داخل المجتمع المصرى، ولكن هناك فارقًا بين قيادة تبنى للحاضر، والمستقبل بناءً صحيحًا، وبين هؤلاء الذين يسعون إلى تقديم «المسكنات» الوقتية دونما رؤية مستقبلية لبناء وطن، حُرِم كثيرًا من التنمية الجادة التى من شأنها إحداث تقدم حقيقى فى البلاد لصالح الأجيال الحالية، والمستقبلية.

بقى القول أخيرًا: إن رهان الشعب المصرى على الرئيس عبد الفتاح السيسى كان رهانًا صحيحًا، حتى هؤلاء الذين شككوا فى قدرته على هذا الإنجاز العظيم، بدأوا يراجعون مواقفهم، وعادوا مجددًا ليؤكدوا خطأ ظنونهم.

من حقنا، ونحن نحتفل بيوم الثالث من يوليو العظيم، أن نقول للقائد والرئيس: لقد تعهدت، وأوفيت، صدقت فى كل وعودك، وها أنت تفاجئنا كل يوم بالمزيد..

مواضيع أخري لهذا الكاتب