لن نفرط ولن نتهاون

بقلم - مصطفى بكري

أبدًا لن تفرط مصر في حقوقها المائية

قضية مياه النيل هي قضية وجود بالنسبة إلينا، هى قضية حياة، ودونها الفناء ولم يكن «هيرودوت» يغالي عندما قال: «مصر هبة النيل»، تلك حقائق لا يمكن الجدال فيها، ولذلك باتت القضية قضية المصريين جميعا بكافة فئاتهم وكافة أعمارهم.

في كل بيت وكل شارع، وكل حارة لا حديث للناس إلا عن العجرفة الإثيوبية، وبدء الملء الثانى لسد النهضة، دون الالتزام بقواعد الملء أو التشغيل، وما يمثله ذلك من خطورة على أمن البلاد.

لا أحد يريد أن يستمع إلى أي تبريرات أو أطروحات. الكل يتساءل: متى يتم ضرب السد؟ لا خيار أمامنا إلا تلك الفرصة، قبل أن يمتلئ السد بالمياه، فنصبح عاجزين عن الفعل والمواجهة، لأن ضرب السد فى هذه المرحلة (مرحلة الملء الثاني 18، 5 مليار متر مكعب) كفيل بإغراق السودان ومصر معا، إذن لا خيار أمامنا إلا الآن!!.

لا أحد يستطيع أن ينكر أو يشكك فى دوافع المصريين، الذين يملؤهم الخوف على وطنهم وعلى أنفسهم من الغدر الإثيوبى، ولكن السؤال المطروح فى المقابل: وهل تخلت القيادة المصرية عن دورها؟!

لقد صرح الرئيس عبد الفتاح السيسي في الثلاثين من مارس الماضى «أن مياه النيل خط أحمر، وأي مساس بمياه النيل سيكون له رد فعل يهدد استقرارالمنطقة بالكامل».

لم يكن هذا التصريح مجرد كلام بلا مضمون، أو تهديدًا لمجرد التهديد بل كان تعبيرا حقيقيا عن موقف مصر التى أضناها التفاوض دون تحقيق الغرض.

——

إن المطلوب الآن، وبعد جلسة مجلس الأمن حول قضية السد، والتي تكشفت فيها ألاعيب الكبار، أن يفوض الشعب المصري بكل قواه الحية"الرئيس عبد الفتاح السيسي"لاتخاذ مايلزم من خطوات للحفاظ علي أمن مصر المائي، فثقتنا في الرئيس وقيادتنا السياسية، والقوات المسلحة المصرية لاحدود لها.

ومن الضروري أن يعبر المصريين، بأدواتهم وتنظيماتهم وقواهم السياسية والحزبية والجماهيرية فعاليات حاشدة، تؤكد هذا التفويض الضروري في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ مصر

----------

عشر سنوات كاملة مضت، والقاهرة تحذر، غير أن ذلك لم يلق آذانا مصغية لدى صناع القرار فى إثيوبيا، وعندما وقعت مصر اتفاق المبادئ بينها وبين السودان وإثيوبيا في 23 مارس 2015، كانت تظن أن هذا الاتفاق من شأنه أن يلزم إثيوبيا بقواعد الملء والتشغيل قبل الإقدام على هذه الخطوة، ، كان البند الأول ضمن البنود العشرة ينص على «الالتزام بمبادئ القانون الدولى والتعاون على تفهم الاحتياجات المائية لدول حوض النيل".

يومها قال الرئيس السيسي: «إن مصر ليس لديها تحفظ على إقامة سد النهضة بشرط عدم الإضرار بمصالح الشعب المصري فى المياه التى يعيش عليها منذ آلاف السنين».

كان ذلك موقفا مبدئيا ومشروطا منذ البداية، لكن إثيوبيا سعت إلى الضرب عرض الحائط بمضمون هذا الاتفاق والقفز عليه، ، ومحاولة تفسيره وفقا لمصالحها الخاصة، مع أن هذا الاتفاق في رأي د.محمود أبو زيد، وزير الري الأسبق، يمثل اختراقا كبيرا في مسارالعلاقات المائية بين مصر والسودان وإثيوبيا، كونه يمثل المرة الأولى التى يتم فيها تدوين وثيقة قانونية تقر بمبدأ عدم إحداث ضرر ذى شأن، وتؤكد على الاستخدام المنصف والمعقول للمياه وتبادل المعلومات والبيانات والتعاون والتنمية المشتركة مع إقرار مبدأ أمان السد، ومبدأ احترام سيادة الدول، وأخيرا مبدأ الحل السلمى للنزاعات.

أما د.أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولى العام، فقد أدلى برأيه فى هذا الإعلان قائلا: إن الوثيقة حين نصت على التزام أطرافها بالقانون الدولي، يعنى التزام إثيوبيا باعتبارها دولة منبع، تجاه مصر والسودان باعتبارهما دولتيْ مصب، بالعديد من الالتزامات الدولية الراسخة التى يأتي في الصدارة منها مبدأ حسن النية فى تنفيذ المعاهدات الدولية وعدم التسبب في ضرر لدول الجوار، والإخطار المسبق قبل تنفيذ أي مشروعات على نهر النيل، والالتزام بمبدأ عدم التعسف في حق استخدام المياه.

إذن المشكل لم يكن في اتفاق إعلان المبادئ ومضمونه، إنما المشكل الحقيقي في الموقف الإثيوبي الذى أطاح بهذا الاتفاق وسعى إلى تفسير بنوده العشرة وفقا لمصالحه.

دعونا نتفق على أن الصراع في منطقة حوض النيل هو صراع سياسي بالأساس، ظاهره «المياه» وباطنه «السياسة»، حيث يجرى استخدام ورقة «المياه» للضغط السياسي على مصر لتنفيذ أجندة لا تخفى على أحد.

وإثيوبيا في هذا الصراع هي مجرد واجهة فقط، يجرى استخدامها في الوقت الحالي لتنفيذ هذا المخطط التآمريّ الذي يستهدف مصر ودول المنطقة جميعا.

من هنا يمكن القول: إن المخطط الحالي يستوجب الحسم والذكاء في المواجهة، بالضبط كما نجحنا في احتواء مخطط الفوضى العارمة الذي استهدف الدولة المصرية وكيانها الوطنى بعد أحداث (25 يناير)، يتوجب أيضا احتواء الأزمة الراهنة التي تحاول أن تستدرج مصر إلى مستنقع يصعب الخروج منه.

إن تقديرات الموقف الحقيقي على الأرض يجب ألا تترك للجان الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعى، فتصبح هى صاحبة الحل والعقد، وإنما يترك الأمر للقيادة السياسية والعسكرية المعنية أساسا بتقديرات الموقف الإستراتيجي للتعامل مع الأزمة الراهنة في إطار يحفظ لمصر حقوقها المائية كاملة غير منقوصة.

لقد وضح من خلال جلسة مجلس الأمن، التي عقدت يوم الخميس الماضي، أن ادعاءات الحكومة الإثيوبية وأكاذيبها تلقى آذانا مصغية لدى البعض، رغم وضوح الحقائق وقواعد القانون الدولي، ولذلك يتوجب تفويض رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة في اتخاذ القرار المناسب في ضوء التطورات الراهنة بما يحفظ لمصر حقوقها كاملة غير منقوصة.

إن الشعب المصري من حقه أن يعبر عن رأيه في قضية تمس حياته ووجوده، ولكن محاولة البعض المزايدة على القيادة التى أنقذت البلاد من حكم الجماعة الإرهابية، ، وحققت المستحيل في السنوات الماضية هو أمر غير مقبول، وأقصد بكلامى هنا، أولئك الذين يسعون إلى خدمة أجندتهم السياسية في العودة إلى الحكم مرة أخرى ولو على حطام الدولة وجثث الشعب المصري جميعا.

لقد أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري في تصريحات أعقبت جلسة مجلس الأمن، أن مصر تشعر بعدم الارتياح لتجاهل مجلس الأمن إدانة التعبئة الثانية لسد النهضة، والتعامل بمنطق المواءمات والاعتبارات السياسية، كما أن وزير الري المصري د.محمد عبد العاطي أكد أن مصر جاهزة للتعامل مع كل السيناريوهات، وكل الخيارات مطروحة لدينا ولن نسمح بحدوث أزمة مياه فى مصر.

إن هذه المواقف تؤكد أن القيادة السياسية المصرية أبدًا لن تفرط في حقوق مصر من مياه النيل، ولذلك يتوجب بالفعل اصطفاف وطني خلف صانع القرار بهدف مواجهة المؤامرة بما يحفظ للبلاد حقوقها، ويجهض المخططات التي تستهدف استدراج مصر إلى مصير نعرف الحقائق والأهداف التي تقف خلفه.

مواضيع أخري لهذا الكاتب