إخوان تونس.. بين رحلة الصعود والسقوط ( 1)

بقلم - مصطفى بكري

- كيف تأثر «الغنوشي» بأفكار «حسن البنا» وسيد قطب» منذ بداية انطلاق الحركة في عام 1972؟

- لماذا انقلبوا على الرئيس «زين العابدين بن علي» بعد أن أيدوا انقلابه ضد "بورقيبة»؟!

"ابتداء من هذه الحلقة تنشر "بوابة الأسبوع" حلقات حول حقيقة ما جرى في تونس، والأسباب الحقيقية التي دعت الرئيس قيس سعيد إلى التدخل لوقف الانهيار الذي عاشته مؤسسات الدولة التونسية بسبب ممارسات حزب حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي الذي سعى إلى أخونة الدولة بعد أن فشل فى إدارتها.

وفي هذه الحلقة يجري التركيز على مرحلة التأسيس باعتبارها اللبنة الأولى التى انطلقت منها الحركة التى تبنت أفكار منظري النهج الإخوانى، وكيف استخدموا الخديعة في علاقتهم بنظاميْ بورقيبة وزين العابدين بن علي".

.. .. .. ..

بدايات التأسيس

منذ بدايات سبعينيات القرن الماضي، تصاعد دور الإسلام السياسي في العديد من الدول العربية والإسلامية، وكانت تونس واحدة من البلدان التي شهدت هذه التحولات، حيث وجد بعض هذه التيارات وتحديدًا «الحركة الإسلامية» الفرصة سانحة لإحداث متغيرات كبرى في البنية المجتمعية والسلوكية، مستغلين في ذلك حدوث نزاعات متعددة حول «الهوية» وبدء بروز الخلافات الطائفية والمذهبية والعرقية خاصة في النصف الأخير من عقد السبعينيات(1 ).

وكان من أبرز هذه العوامل، «التجربة البورقيبية»، والتي تشبعت إلى حد كبير بالثقافة الغربية، والنزعة التحديثية العلمانية، التي كنت ترى أن التحديث والتطوير السياسي والمجتمعي في تونس، لن يمر عبر الثقافة العربية والإسلامية التقليدية، وإنما باستلهام روح الحضارة الغربية الحديثة..

وقد عمل الرئيس بورقيبة على إقصاء المؤسسة الدينية التقليدية الممثلة في «جامع الزيتونة»، وطبق مجموعة من الإجراءات التشريعية والإدارية التي تتصادم مع الموروث الديني والقيمي، حيث وصفتها الحركة الإسلامية حينها بـ«الراديكالية العلمانية»!!

وقد كان من أبرز مظاهر هذه الإجراءات، قيام الدولة بنزع حق التوجيه الروحي والديني من «جامع الزيتونة» وتطبيق قوانين وصفت بأنها متعارضة مع صحيح الدين، ومسائل الزواج والطلاق والميراث، وتتبنى نظام التعليم المدني وغيرها.( 2)

ولا شك أن الأحداث التي مرت بها العديد من الأقطار العربية ومنها مصر وتونس فى نهاية عقد الستينيات ومنها نكسة 1967، قد أدت إلى حدوث انقلاب على المشروع القومي العربي بكل تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما جعل هذه البلدان عُرضة لتغييرات وتحولات تتناقض مع السياسات التحررية، فجاءت هذه الحقبة الجديدة لتؤسس لمرحلة مناقضة للمراحل السابقة.( 3)

وكما حدث فى مصر، فقد شكلت هذه الظروف الأسباب الرئيسية لنشأة «الحركة الإسلامية» وظهورها في تونس، على يد مؤسسيها الأوائل وهم: الشيخ راشد الغنوشي، والداعية عبد الفتاح مورو، والشيخ محمد صالح النيفر.

أهداف الحركة:

وقد جاء ميلاد هذه الحركة وسط هذه الظروف، وفقًا لبيانات وأحاديث مؤسسيها بهدف وجود دعوة إسلامية تهدف إلى إحياء وإعادة الوصل بين الدين والحياة الحديثة التي صاغها عهد الاستقلال، بمعزل عن الإسلام، كما كان يرى مؤسسو هذه الحركة.

وقد نجحت الحركة الإسلامية التونسية الوليدة فى التواجد داخل أوساط الطلاب والشباب فى هذه الفترة، واستفادت كثيرًا من انشغال الدولة التونسية فى أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات بمواجهة القوى اليسارية والحركات النقابية، فبدأت تؤسس لها وضعًا سياسيًا واجتماعيًا داخل الجامعات والمساجد وبعض الأوساط الشعبية الأخرى.

ومع حلول عام 1970، نجح الشيخ راشد الغنوشي في تكوين حلقة خاصة لبث الأفكار الدينية، حيث اتخذ من جامع «سيدي يوسف» مقرًا لندواته التي شاركه فيها عبد الفتاح مورو ومحمد صالح النيفر وصلاح الدين الحوروشى، حيث شمت تلك الحلقة قرابة الثلاثين شابًا من الطلبة الذين كان يقوم الغنوشى بتدريسهم فى صف «البكالوريا» بمعهد «ابن أشرف»، وهى النواة التى اضطلعت بعد ذلك بنشر الأفكار الإسلامية الجديدة بالجامعة التونسية.

وقد استخدمت هذه المجموعة أساليب اجتماعية عديدة خاضت من خلالها معركة «تأسيس المساجد" بالمؤسسات العلمية المختلفة، ومساعدة الطلاب الريفيين المغتربين، وتوفير المذاكرات والكتب لهم بأرخص الأسعار.

ولم تكن الحركة الإسلامية المعاصرة قد ولدت من ثمار «جامعة الزيتونة» كما يقول الغنوشى، بل نشأت بعيدًا عنها، ولها أهداف مختلفة تتمثل في الوصل بين التحديث والمنهج الإسلامي، دون التخلي عن الهوية والثقافة الإسلامية والعربية، وذلك أن «الزيتونة»، كما قال الغنوشي لم تكن تعرف الإسلام بشكله الشمولى، أى مفهوم الدولة الإسلامية ومؤسساتها، ولا نظرة الإسلام للغرب وفلسفته تجاه التعددية والمرأة والآداب والسياسة والعلاقات الدولية وغيرها».

النواة الأولى:

وقد نشأت النواة الأولى لحركة «النهضة الإسلامية» بضفتها حركة دينية ذات خصائص دعوية، متأثرة فى بداياتها الأولى بجماعة «الدعوة والتبليغ» ذات الأصول الهندية، والتى أسسها الشيخ «محمد إلياس الكاندهلوى» في العام 1926.

وقد نشطت الحركة الإسلامية التونسية فى تلك الفترة من خلال (جمعية المحافظة على القرآن الكريم) وهى جمعية دينية، كانت تحظى بالاعتراف القانوني من قبل السلطات التونسية آنذاك.

ومع مضي فترة من الوقت على بدايات التأسيس الأولى، سرعان ما تأثرت الحركة بأطروحات جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في العام 1928 في مصر، وذلك من خلال استلهام أدبيات الشيخ حسن البنا وسيد قطب، وفتحى يكن وعبد القادر عودة والداعية الباكستانى أبو الأعلى المودودى.

وقد كان الجدل حول «الفكر الإخوانى» هو أحد محاور الانقسام داخل الحركة الإسلامية التونسية فى هذه الفترة، مما كان له أثره الكبير على خروج بعض كوادر الحركة من المؤسسين فى فترة لاحقة.

وقد عقد أول مؤتمر للحركة فى أبريل من العام 1972، حيث سمى هذا الاجتماع باجتماع الأربعين، الذى ناقش أسس ومستقبل الحركة، واختير فيه راشد الغنوشى رئيسًا وعبد الفتاح مورو أمينًا عامًا.

كانت الحركة تؤكد فى هذا الوقت خطابها الدعوي وتعلن رفضها الانخراط فى العمل السياسى، ولكن الاتجاه الأغلب الذى كان يميل للأفكار الإخوانية كان فى حالة تصاعد مستمر، وكانت رؤيته وأفكاره سببًا في انشقاق مجموعة من مؤسسى مؤتمر الأربعين فى بداية 1977 عرفت باسم «الإسلاميون التقدميون»، حيث خاض هذا التيار قبل انفصاله عن الجماعة نقاشات وحوارات دار معظمها حول «الهوية العامة للجماعة»، حيث تبنى قادة هذا التيار فكرة بناء تجربة ذاتية، وما تعنيه من نقد التجربة الإخوانية والتأكيد على عدم الالتزام بها، والتدليل على فشلها التاريخى.

المؤتمر التأسيسى:

وفى عام 1979 عقدت الجماعة الإسلامية التونسية مؤتمرها التأسيسي «السري» الذي تمت فيه المصادقة على قانونها الأساسي حيث أطلقت الجماعة على نفسها اسم «الاتجاه السياسي».

وقد تضمن البيان التأسيسى جملة من الأهداف من بينها:

- أن الحركة تعمل على دعم التعريب في مجال التعليم والإدارة.

- رفض مبدأ الانفراد بالسلطة الأحادية.

- اعتماد التصور الشمولى للإسلام.

- الالتزام بالعمل السياسى بعيدًا عن اللادينية والانتهازية.

- تجسيم وبلورة الصورة المعاصرة لنظام الحكم الإسلامى بما يضمن طرح القضايا الوطنية فى إطارها العقائدى.ومع ازدياد حدة التوترات الداخلية في تونس بسبب تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، اندلعت مظاهرات واحتجاجات في أواخر السبعينيات، فقرر الرئيس الحبيب بورقيبة الموافقة على مشروع الإسلام السياسى الذي قدمه له رئيس وزارئه «محمد مزالى»، وهو المشروع الذى يسمح بتعددية سياسية ضمن إطار محدد.

وقد أعلن الرئيس التونسى عن قبوله للورقة المقدمة صراحة من خلال مؤتمر الحزب الدستوري التونسي الحاكم والذى عقد مؤتمره فى التاسع من إبريل 1981 حيث أكد بورقيبة «أنه لا يمانع من تأسيس جمعيات سياسية فى البلاد».

في هذا الوقت سعت حركة «الاتجاه الإسلامى» بقيادة راشد الغنوشى إلى الحصول على رخصة بالعمل ضمن منظومة الحياة السياسية الجديدة، ولكن الجهات المسئولة رفضت الترخيص للحركة لوجود تعارض بين أهدافها العقائدية ونصوص الدستور التونسى فعاد التوتر مجددًا بين الطرفين، مما دفع الحكومة إلى القبض على رئيس الحركة وأمينها العام بتهمة العمل السياسي في إطار حركة غير مرخصة فى 18 يوليو 1981، وصدر الحكم عليهما بالسجن عشر سنوات.

وبعد ذلك بدأت الوساطات وإبداء الجماعة استعدادها لمراجعة الموقف والالتزام بنصوص الدستور والقانون، وفي النهاية قرر الرئيس بورقيبة الإفراج عن عبد الفتاح مورو الأمين العام للحركة فى أغسطس 1983 لأسباب صحية بعد أن أرسل إليه مورو خطاب اعتذار واستعداد للمراجعة، وبعدها بعام تم الإفراج عن الشيخ راشد الغنوشى رئيس الحركة.

ولم تمض فترة طويلة حتى نقضت الحركة عهودها ووعودها مع الدولة، حيث ثبت وجود دور لها فى تمويل التفجيرات الإرهابية التى وقعت فى منطقة الساحل وأدت إلى وقوع ضحايا، فتم القبض على راشد الغنوشى بتهمة التورط في العملية وتم الحكم عليه بالأشغال الشاقة مدى الحياة فى عام 1987.

وبعد انقلاب رئيس الوزراء ووزير الداخلية زين العابدين بن على وتولى رئاسة الدولة بدلا من الحبيب بورقيبة، أعلنت الحركة تأييدها لوثيقة «الميثاق الوطني» التي أعلنها النظام الجديد، مما كان دافعًا للرئسس بن على إلى الإفراج عن الغنوشى وقيادات الحركة الآخرين.

وفي عام 1989صدر قانون جديد للأحزاب، فغيرت الحركة اسمها إلى «حركة النهضة» حتى تتلاءم مع القانون الجديد الذى كان يمنع قيام الأحزاب على أساس ديني وقد كان نجاح حركة النهضة فى الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية فى عام 1989 بمثابة إعلان بنهاية الوفاق بينها وبين نظام الرئيس بن على من جهة، وبينها وبين القوى السياسية من جهة أخرى خصوصًا بعد النتائج الكبيرة التى حققتها هذه الانتخابات، حيث رشحت الحركة أعضاءها على غالبية المقاعد تحت إطار لوائح مستقلة، كما صدرت خطابا دعائيًا استفز الحكومة بشكل كبير، وهو ما أدى إلى صدام السلطة معها فور إعلان فوزها بمقاعد عديدة في الجولة الأولى وحصولها على 17٪ من أصوات الناخبين.

وعندما أصدرت الحركة بيانًا تشجب فيه تزوير الانتخابات تم استدعاء راشد الغنوشي لوزارة الداخلية، وتم تهديده ومطالبته بالتوقف عن الاستفزاز والإثارة، وجرى تعطيل جريدة الفجر الناطقة باسم النهضة عام 1990، كما ألغت الحكومة رخصة الاتحاد التونسى للطلبة فى بداية العام 1991، وقبلها وتحديدًا فى 28مايو 1989 كان الغنوشى زعيم الحركة قد غادر البلاد باتجاه الجزائر ثم السودان حتى استقر به المقام فى لندن وتولى الصادق شورو رئاسة المكتب السياسى للحركة خلفًا له.

ومع تزايد التوتر بين الحركة والنظام أعلن وزير الداخلية عبد الله القلال عن إبطال محاولة لقلب نظام الحكم عام 1991، هو ما ترتب عليه اعتقال قيادات الحركة وآلاف آخرين، والحكم بالسجن مدى الحياة على العديد من أفرادها، ومنذ هذا الوقت توقفت الحركة عن نشاطها التنظيمى العلنى.

وقد كانت مرحلة المهجر مناسبة مهمة لمراجعة للحركة لأفكارها وممارساتها، خاصة تجاه قضايا جوهرية مثل: الحكم والديمقراطية وعلاقة الدين بالسياسة وفكرة الخلافة الإسلامية، والتعددية، والحريات وغيرها.

وقد استمرت هذه الحالة عقدين ونصف العقد من الزمان استطاعت الحركة خلالها تطوير بنيتها التنظيمية السرية، ودخلت فى عام 2005 فى حوار مع أطراف رئيسية فى المعارضة بموجبه جرى إنهاء الحصار المفروض عليها من النظام، خاصة بعد أن بلورت وثيقة أطلقت عليها (وثيقة 18 أكتوبر) حيث تم الاتفاق عليها مع عدد من الأحزاب العلمانية على جملة من اللوائح المتعلقة بالحريات والمساواة بين الرجل والمرأة وتداول السلطة، مما مكنها من العودة من جديد للمشهد السياسى مع بدايات انطلاق الثورة التونسية فى 17ديسمبر 2010.

وقد ظل خطاب حركة النهضة خطابًا ملتبسًا لتجاذبه بين مشروعين، مشروع عام تمثله توجهات الحركة الإسلامية، ومشروع سياسي يرتكز على الواقعية السياسية ويتخذ من الممارسة منهجه ومنطلقاته، وهذه الازدواجية فى الخطاب (الأخونة والتونسة) جعلت من خطاب (التونسة) خطابًا محكومًا بالمصلحة السياسية أولًا، ومن الخطاب الإخوانى مصدرًا للشرعية الدينية فى زمن الهيمنة السياسية ثانيًا.

.. .. .. .

هوامش:

(1)-مجموعه من الباحثين: الحالة الدينية المعاصره فى مصر ( 2010- 2014 ) دراسة تحليلية وميدانية صادر عن " مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - الجزء السابع - ص 12

(2)-رجاء البصلى: مستقبل حركة النهضة فى تونس

(3)- فرحان صالح: حول تجربة الإخوان المسلمين.. من جمال عبد الناصر إلى عبد الفتاح السيسى - الهيئة العامة للكتاب ص 59

وإلى الحلقة الثانية

مواضيع أخري لهذا الكاتب