من المعارضة إلى الحكم.. "إخوان تونس رحلة الصعود والسقوط.. الحلقة الثانية"

بقلم - مصطفى بكري

كيف استطاعت حركة النهضة خداع الجماهير بالأكاذيب والوعود الوهمية؟!

«النهضة» تقود ائتلافًا حزبيًّا للهيمنة على الحكم

.. .. .. .. .. ..

في الحلقة الثانية من حلقات «إخوان تونس- رحلة الصعود والسقوط» يتناول الكاتب الصحفى الزميل مصطفى بكرى مسيرة «حركة النهضة» من المعارضة إلى الحكم، وكيف تناقضت في رؤيتها بين الدينى والسياسى، ومارست الزيف والخداع حتى على المتحالفين معها في الائتلاف الذى أدى إلى تشكيل حكومة «الترويكا» برئاسة الأمين العام للحركة حمادى الجبالى..

وقد وجهت قوى المعارضة والشارع التونسى انتقادات شديدة إلى الحركة التى لم تحقق نموًّا اقتصاديًّا يُذكر، وعجزت عن حل المشاكل الحياتية والأمنية، وسعت إلى الهيمنة على مؤسسات الدولة والوزارات السيادية.

بدأت أحداث الثورة التونسية بوصفها حركة اجتماعية في منطقة جغرافية محددة، هى منطقة «سيدى بوزيد» ثم تطورت إلى ثورة شعبية شملت البلاد كلها، بدأت بمجموعات من الشباب العاطل، ثم امتدت إلى الطبقة الوسطى، ثم شملت جميع شرائح المجتمع.

ولم يبدأ الإسلاميون فى الظهور خلال أحداث هذه الثورة إلا بعد رحيل الرئيس زين العابدين بن على، وهروبه من البلاد فى 14/1/2011.

كان الشيخ راشد الغنوشى قد أعلن فى هذا الوقت أنه يستعد للعودة إلى تونس من منفاه، وقال: «إن حزبه ليس وراء حركة الاحتجاج الحالية، وأنه بعيد جدًّا عن ذلك».

وبعد انتصار الثورة وتحديدًا فى 30 يناير 2011 عاد الشيخ راشد الغنوشى من الخارج إلى تونس، حيث تم استقباله استقبالاً حاشدًا بواسطة أعضاء حركة النهضة والمتعاطفين معهم، وذلك بعد أكثر من 22 عامًا على مغادرة تونس، وتحديدًا بعد الانتخابات التشريعية عام 1989، وقد أكد الغنوشى فور عودته أنه لا ينوى قيادة الحزب، وأنه سوف يسلّم القيادة إلى الجيل الجديد من الحركة. (1)

وفي أول حديث أدلى به راشد الغنوشى إلى صحيفة «الشروق» التونسية بعد عودته من المنفى، وقبل حصول حركة النهضة على الترخيص الرسمى كحزب سياسى انتقد أعمال لجنة «الإصلاح السياسى»، التى تم تشكيلها بعد انتصار الثورة التونسية بحجة أنها قد تسعى إلى إلغاء البند الدستورى الذى ينص على: «أن الجمهورية التونسية دينها الإسلام»، وأعلن عن مساندته للمبادرة التى أطلقتها مجموعة من رموز الحركة الوطنية فى تونس مثل أحمد المستيرى وأحمد بن صالح، وغيرهما، وهى المبادرة التى استهدفت إنشاء مجلس وطنى للثورة وقال: «إنه يطالب بإجراء انتخابات حرة، والانتقال من النظام الرئاسى إلى النظام البرلمانى، نافيًا رغبة حركته في الانفراد بالحكم». (2)

وفى حديث آخر أدلى به الغنوشى لصحيفة «لابراس» التونسية الناطقة بالفرنسية كشف فيه مجددًا عن هوية حركة النهضة قائلاً: «إن حركته تُعد نفسها امتدادًا للحركة الإصلاحية التونسية التى قادها خير الدين باشا، وأنها تعتمد الاجتهاد للتوفيق بين ثوابت الدين، ومتغيرات العصر، وأنها تعتبر حرية الرأى والمعتقد مقدسة». (3)

وبالرغم من أن كثيرًا من مقولات الغنوشى التى أكد فيها على حرية الرأى، ومدنية الدولة لم تجد طريقها الحقيقى للتطبيق مع وصول النهضة إلى السلطة فى وقت لاحق، إلا أن المقابلة التى أجرها الصحفى «زياد كريشان» مع الأمين العام لحركة النهضة حمادى الجبالى تُعد من المقابلات الكاشفة عن هوية الحركة حيث قال: «إنها حركة ذات مرجعية إسلامية، وليست حركةً عقائديةً، وإنها لا تعد نفسها الممثل للإسلام، بل تقدم اجتهادات تتناسب مع المقاصد الإسلامية»، ولم ينف الجبالى انتماء حركته إلى «الإخوان المسلمين»، لكنه اعتبر أن الحركة الإخوانية قد تطورت، وانفتحت على تجارب أخرى مثل تركيا وماليزيا، وقال: «إن الشريعة بالنسبة إليه هى الحرية، والعدل، والمساواة، وإن القاعدة هى تغليب روح النص، لكن الحركة لا تخالف أيضًا النص الصريح، فتحرم الحلال، أو تحل الحرام»، ورأى «أن تطبيق العقوبات الجسدية لا يصح إلا فى مجتمع بلغ درجة الكمال»، أى انتفت فيه مظاهر الفقر، وعلى هذا الأساس اعتبر أن مثال حزب العدالة والتنمية التركى لا يتطابق تمام المطابقة مع حركة النهضة، وقال: «بيد أن حركته لا تطرح ضمن أولوياتها مسألة تطبيق الشريعة، ولا تنفيها أيضًا».

واعتبر «أن الأولوية الأولى هى النجاح فى التجربة الديمقراطية، وأن كل ديكتاتورية مرفوضة، ولو جاءت بغطاء إسلامى». (4)

وفى يوم الإثنين 7 فبراير 2011 عقد راشد الغنوشى مؤتمرًا صحفيًّا أكد فيه، أن حركته تقدمت بطلب رسمى يوم 1 فبراير من نفس العام لإنشاء حزب سياسى، وأنها عقدت جلسة تأسيسية يوم الأحد 6 فبراير لانتخاب هيئتها السياسية المكونة من 13 عضوًا. (5)

وفى هذا المؤتمر أقرّ الغنوشى بمسئولية حركته عن أحداث العنف المعروفة بأحداث «باب سويقه» فى فبراير 1991، معتبرًا إياها نتيجة تصرفات فردية من أعضاء فى الحركة، ولم تكن قرارًا اتخذته القيادة.

طلب الترخيص للحزب

لقد تقدمت حركة النهضة بطلب الترخيص فى الأول من فبراير 2011 متضمنًا نظامًا أساسيًّا من ستة أبواب، منها الباب المتعلق بالتأسيس والأهداف، حيث حاول الحزب تحاشى وصمه القيام على أساس دينى، فحدد أهدافه فى حماية استقلال الوطن، وتكريس سيادة الشعب، وتحقيق الحريات والعدالة، وحفظ كيان الأسرة، والنهوض بواقع المرأة.

ويحدد الباب الثانى شروط العضوية، وهى شروط عادية مثلها مثل شروط أى حزب سياسى آخر.

أما الباب الثالث فيتضمن تركيبة الحزب، وهياكله وهى: المؤتمر العام، ومجلس الشورى، والهياكل الجمهورية، والمكتب التنفيذى، ورئاسة الحزب، حيث يُعد المؤتمر العام أعلى سلطة فى الحزب ويجتمع كل أربعة أعوام.

وينتخب المؤتمر العام أعضاء مجلس الشورى الذين يتولون بدورهم انتخاب أعضاء المكتب التنفيذى، والمصادقة على سياسات الحزب، كما ينتخب المؤتمر رئيس الحزب، ويشترط فى الرئيس الانتماء إلى الحركة منذ عشرة أعوام على الأقل، وألا يشغل المنصب أكثر من دورتين متتاليتين، وهو الذى يتولى رئاسة المكتب التنفيذى، وله أن يتخذ نائبًا، أو نوابًا متعددين من أعضاء المكتب لمساعدته، وبصفة استثنائية، وينتخب مجلس الشورى فى أول دورة له، وبالأغلبية النسبية أعضاء المكتب التنفيذى من بين قائمة تضم ثلاثة أضعاف الأعضاء المراد انتخابهم، يختارهم رئيس الحزب ممن سبق لهم تحمل مسئوليات سابقًا.

لقد وضح من خلال القراءة الموضوعية لهذا النظام أن من أهم سماته تتمثل فى كونه يمنح سلطات واسعة لرئيس الحزب، ويجعل منه صاحب القرار الأوحد فى الأمور السياسية والتنظيمية المتعلقة بالحزب.

وبالرغم من إعلان الحركة تمسكها بتلك الأهداف إلا أن الممارسة أكدت عكس ذلك، وقد كشف عبد الفتاح مورو أحد أبرز كوادر الحركة عن ذلك فى خطاب ألقاه فى مسجد الهداية فى منطقة «مقرين» جنوب العاصمة يوم الخميس 24 من مارس 2011 ذكر فيه «أن الدستور هو الإسلام»، ودعا الحاضرين «ألا ينتخبوا أشخاصًا لهم عداوة مع الدين، ونفى فكرة الفصل بين الدين والسياسة». (6)

أما راشد الغنوشى فقد أكد فى محاضرة ألقاها فى ولاية «سليانة» التونسية فى بداية شهر أبريل 2011 «أن الدين والسياسة مرتبطان ببعضهما البعض» (7)

وهكذا تتضح الرؤية الحقيقية لأهداف حركة النهضة عبر اثنين من قياداتها التاريخية، ومؤسسى الحركة.

منذ عام 1972، والذى وضح فيه رفض الفصل بين الدين والسياسة، رغم أن الحزب حصل على الترخيص بمقتضى القانون الصادر عام 1988، والذى يمنع قيام الأحزاب على أساس دينى.

وبالرغم أن حركة النهضة حاولت تبرير مواقفها كما ورد على لسان على العريض «رئيس مجلس شورى الحركة»، والذى خلف حمادى الجبالى فى رئاسة الحكومة، واستقال منها فى 9 يناير 2014 من قوله بأن «المقصود بالشريعة هى الأخلاق والقيم والمقاصد، وأن تطبيق الحدود ليس فى برنامج النهضة»، إلا أن العديد من التصريحات الأخرى كانت تقف على النقيض مما أفقد حركة النهضة الكثير من رصيدها لدى الشعب التونسى فى أعقاب الثورة.

لقد ظلت الحركة فى حالة ارتباك شديد بسبب ما يُنسب إليها تاريخيًّا من القيام بأعمال عنف بين الاعتراف تارة، والنفى تارة أخرى، ومن بين هذه الأعمال:

- احتجاز عميد كلية العلوم فى تونس فى فبراير 1981.

- تفجير أربعة فنادق سياحية ليلة عيد ميلاد الرئيس الأسبق بورقيبة فى مدينة «المنستير» فى أغسطس 1987.

- اعتداءات عدة بمواد حارقة على أعوان أمن، ومنتسبين إلى الحزب الحاكم السابق فى سبتمبر 1987.

- الاعتداء على الشيخ إبراهيم الورغى أمام جامع الكرم فى الضاحية الشمالية للعاصمة الذى توفى نتيجة للحروق التى أصيب بها.

- التحضير لانقلاب مسلح بفتوى من صالح كركر القيادى بالحركة، وبقيادة منصف بن سالم وسيد فرجانى، وهى القضية المعروفة بالتنظيم الأمنى، وكان مقررًا تنفيذها يوم 8 نوفمبر 1987.

- الاعتداء على مقر الحزب الحاكم وقتل حارسه فى باب سويقه فى 17 فبراير 1991. (8)

وإذا كانت حركة النهضة لم تظهر بقوة أثناء الحركات الاحتجاجية التى اندلعت فى البلاد فى 17 ديسمبر 2010، إلا أنها وبعد سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن على، وفراره إلى الخارج فى 14 يناير 2011 سعت إلى إجهاض أعمال حكومة محمد الغنوشى التى تولت الحكم بصفة انتقالية بعد سقوط النظام.

وقد نشرت صحيفة «اتحاد صفحات الثورة» رابطًا من موقع راشد الغنوشى على فيس بوك بتاريخ الأحد 20 فبراير 2011 عنوانه «كل يوم مسيرة، والأحد هو الفيصل» يدعو فيه إلى تسيير قوافل مليونية من كامل أنحاء الجمهورية لتحقيق المطالب الآتية:

- إسقاط حكومة محمد الغنوشى الانتقالية اللا شرعية.

- تشكيل مجلس تأسيسي.

- تعليق العمل بالدستور.

- حل مجلس النواب والمستشارين.

- التعليق النهائى لنشاط حزب التجمع الدستورى الديمقراطى الحاكم.

- تغيير قوانين الصحافة والانتخابات والقضاء.

- إرجاء الاستجابة للمطالب الاجتماعية.

- محاسبة أعضاء النظام السابق إلى حين توافر الاستقرار.

- إعلان العفو التشريعى العام، والتوجه نحو نظام برلمانى.

وهكذا سعت «النهضة» إلى إدارة الاحتجاجات من خلف ستار، واستغلت اعتصام «القضية2»، والذى كان من صنيعة النقابيين واليساريين- لخدمة أهدافهم فى القفز على السلطة.

الهيئة العليا للإصلاح

كانت القوى السياسية والحزبية ومن بينها حركة النهضة قد اتفقت فيما بينها على تشكيل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، والإصلاح السياسى، والانتقال الديمقراطى.

حيث جرى تشكيل هذه الهيئة فى 18 فبراير 2011 من 71 عضوًا منهم 12 ممثلاً عن الأحزاب، و15 ممثلاً عن منظمات المجتمع المدنى و42 شخصية عامة، ثم تمت زيادة العدد إلى 155 عضوًا فى 2 أبريل 2011، وذلك بعد ضم شخصيات أخرى، ومن بينها ممثلون عن عائلات الشهداء.

لقد تحددت مهمة هذه اللجنة في الآتى:

- صياغة قانون الانتخابات.

- تشكيل هيئة تتولى تنظيم الانتخابات والإشراف عليها.

وفى هذه الفترة طرحت القوى والأحزاب السياسية فكرة إعداد ميثاق جمهورى يتضمن الثوابت المتفق عليها لحماية الدولة، وتجربتها الديمقراطية، إلا أن حركة النهضة رفضت هذا التوجه واعتبرت أن عمل الهيئة قد اكتمل بالتصويت على القانون الانتخابى، مما دفع العديد من القوى المشاركة إلى اتهام النهضة بمحاولة التهرب من ثوابت حماية الدولة وأهدافها، خاصة ما يتعلق بحرية الاعتقاد، والمساواة بين الجنسين، والمحافظة على مجلس «الأحكام الشخصية»!!

وأمام هذا الموقف تصاعدت لغة الانتقاد من الأحزاب والقوى المشاركة فى الهيئة، كما أن هناك بعض الحركات الاحتجاجية أعلنت رفضها لتهرب «النهضة» من الأجندة المطروحة مثل حركة «أنا مسلم والنهضة لا تمثلنى» وغيرها.

ومنذ هذا الوقت استشعرت العديد من القوى المشاركة عدم مصداقية «حركة النهضة» فيما تطرحه من شعارات، وعندما اضطرت حكومة «الباجى قائد السبسى» إلى تأخير موعد الانتخابات التشريعية التى كان مقررًا إجراؤها فى 24 يوليو 2011 إلى 23 أكتوبر 2011 سعت «حركة النهضة» إلى شن حملة معارضة، واتهمت الحكومة بأنها تسعى إلى تزوير الانتخابات، وقامت بتنظيم احتجاجات فى الشارع، ورفضت مطالب الهيئة العليا بالدعوة إلى تنظيم استفتاء موازٍ لانتخابات المجلس التأسيسي متضمنًا مجموعة من المبادئ، والثوابت المتفق عليها.

وقد طرح الشيخ راشد الغنوشى رؤيته للأوضاع فى البلاد من خلال حديث أدلى به لجريدة الشروق التونسية فى 26 أغسطس 2011، حيث قال: «نحن نتهيأ للمشاركة فى الحكم، وإذا حظينا بثقة الشعب فلن نخيب آماله، ونحن حاليًا نعد حكومة ظل كفؤة وقادرة على تحمل المسئولية، وفى الوقت نفسه نبحث مع الآخرين على وفاقات، لأننا نرى أن الجمهورية التونسية خلال السنوات الخمس المقبلة لا يمكنها أن تكون خارج حكومة ائتلاف وطنى.

وقال: «بخصوص حركة النهضة، فإنه حتى فى صورة حصولنا على الأغلبية، وهذا أمر صعب بحكم القانون الانتخابى، فإننا نراهن على حكومة ائتلافية لأننا نرى أن أوضاع البلاد لا يقدر على تحملها حزب واحد، نحن نقدر أن حركتنا تمثل أغلبية الشعب، سنتحصل على غالبية الأصوات، ولكننا بحكم القانون الانتخابى لن يتسنى لنا الحصول على غالبية المقاعد». (9)

--------

الهوامش:

(1) جريدة الأنباء الكويتية: 31 يناير 2011

(2) حوار مع راشد الغنوشى: صحيفة الشروق التونسية، 2 فبراير 2011

(3) حوار مع راشد الغنوشى: صحيفة «لابراس» الناطق بالفرنسية (تونس) 18 فبراير 2012.

(4) حوار مع حمادى الجبالى: «رياليتى» مجلة أسبوعية تونسية ناطقة بالفرنسية، 17 ديسمبر 2011.

(5) راشد الغنوشى: موقع قناة «العالم» الإيرانية.

(6) صحيفة الصباح التونسية: 26 مارس 2011.

(7) صحيفة الصباح التونسية: 5 أبريل 2011.

(8) د.جمال السويدى، د.أحمد الصفتى: حركات الإسلام السياسى والسلطة فى العالم العربى- الصعود والأفول- مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ص248

(9) الشروق التونسية: حوار مع راشد الغنوشى - 26 أغسطس 2011

مواضيع أخري لهذا الكاتب