جدل حول مطالب "النهضة" فى دستور 2014

يكتبها على حلقات - مصطفى بكرى

"إخوان تونس".. رحلة الصعود والسقوط "الحلقة الرابعة"

لماذا تراجعت الحركة عن التمسك بالشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي ووحيد للدستور؟

حلفاء النهضة ينتقدون.. ورئيس كتلتها البرلمانية: لا يجوز الفصل بين الدين والدولة

النظام البرلمانى استهدف تقليص سلطات رئيس الجمهورية لصالح الحركة

الاغتيالات وتردى الظروف الاقتصادية.. كانت وراء تراجع شعبية النهضة فى البلاد

فى 26 يناير 2014 صادق المجلس التأسيسى فى تونس على المسودة النهائية للدستور بعد أكثر من عامين، ونصف العام من النقاش بين العديد من القوى السياسية، والمدنية داخل البرلمان، وخارجه..

وقد ثارت حالة من الجدل الشديد حول رؤية النهضة التى أصرّت فى البداية على اعتبار (الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى والوحيد للدستور)، حيث أثمر النقاش عن تراجع الحركة، وطرح صيغة بديلة تؤكد على التمسك بتعاليم الإسلام، ومقاصده، لم تكن تلك هى القضية الوحيد مثار النقاش، بل كانت هناك قضايا أخرى عديدة..

وفى الحلقة الرابعة يجيب الزميل مصطفى بكرى رئيس التحرير على التساؤلات المطروحة فى هذا الملف..

.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..

ظلت التجاذبات السياسية التى سادت فى المرحلة الأولى لحكم (الترويكا)، والذى جاء نتيجة توافق بين حركة النهضة، وحزبى (المؤتمر والتكتل الديمقراطى)، تشكل هاجسًا يهيمن على المشهد السياسى فى هذا الوقت، وتعوق من إتمام مهمة صياغة الدستور، ناهيك عن تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانتشار أعمال العنف التى أدت إلى اغتيال شكرى بلعيد فى أبريل 2013.

وكان من نتاج ذلك استقالة حكومة (حمادى الجبالى) حيث جرى اختيار حكومة جديدة برئاسة على العريض، وكان الطابع الغالب عليها أنها حكومة كفاءات.

وبالرغم من التعهدات التى قطعتها الحكومة الجديدة على نفسها بتلافى أخطاء الحكومة السابقة، إلا أن الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية ازدادت سوءًا فى البلاد، كما أن اغتيال محمد البراهمى عضو المجلس التأسيسى فى أغسطس 2013 زاد من تعقيدات الموقف، مما استدعى من قوى المجتمع المدنى الأساسية التقدم بمبادرة للحوار الوطنى للوصول إلى حلول ناجعة لمشاكل البلاد، وإنهاء التعقيدات التى طفت على المشهد السياسى.

وقد تبنى المبادرة أربعة من قوى المجتمع المدنى الأساسية فى تونس هى: (الاتحاد التونسى للشغل، والاتحاد التونسى للصناعة والتجارة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحاماة). (1)

وقد تبلور عن اجتماعات اللجنة خارطة طريق، وقعت عليها الأطراف السياسية التونسية فى 5 أكتوبر 2013، والتى دعت فيها إلى صياغة الدستور خلال مدة أقصاها أربعة أسابيع، مع تقديم حكومة الترويكا استقالتها لصالح حكومة مستقلة، وإصدار القانون الانتخابى، واختيار أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

وبالفعل بتاريخ 14 ديسمبر 2013 تم اختيار مهدى جمعة رئيسًا لحكومة انتقالية شُكلت من (التكنوقراط)، وبمقتضى ذلك تنازلت حركة النهضة عن الحكم، وغلّبت الشرعية التوافقية على الشرعية الانتخابية. (2)

الدستور الجديد:

فى 26 يناير 2014 صادق المجلس التأسيسى فى تونس على الدستور الجديد الذى جاء بعد 4 مسودات جرى النقاش حولها، حيث ثارت خلافات عديدة حول بعض القضايا الجدلية.

وقد كانت قضية الشريعة الإسلامية فى مناقشات الدستور التونسى الذى جرى اعتماده هى واحدة من أهم القضايا الخلافية بين حركة النهضة، وأطراف سياسية عديدة فى تونس.. لقد بدأ الجدل عندما دعا بعض نواب حركة النهضة الإسلامية فى المجلس التأسيسى فى البداية إلى اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرًا وحيدًا، ورئيسيًا للتشريع عند صياغة الدستور، بل وتظاهر المئات من الإسلاميين فى 16 مارس 2012 أمام مقر المجلس التأسيسى لممارسة الضغط عليه للقبول، واعتماد ذلك فى الدستور المرتقب.

وقد عارض صبحى عتيق رئيس كتلة حركة النهضة فى المجلس التأسيسى فى هذا الوقت الفصل بين الدين والسياسة بقوله: (إن الإسلام لم يعرف فى نصوصه، ولا تاريخه فصلاً بين الدين والسياسة، وإن الدين لا يمكن أن يكون شأنًا خاصًّا فى الضمير الداخلي للإنسان، إنما هو نظام عام، ومنهاج كامل للحياة، يتصل بحياة الفرد، وشؤون الأسرة، وأوضاع المجتمع، وأسس الدولة، وعلاقات العالم).

لقد كان لحركة النهضة فى المجلس التأسيسى حليفان أساسيان فى (الترويكا)، وهما حزبا (المؤتمر من أجل الجمهورية)، و(التكتل الديمقراطى من أجل العمل والحريات)، وخلال المناقشات حول قضية الشريعة كان لهما موقفهما المعارض لتوجهات الحركة.

لقد أعلن مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسى، ورئيس حزب التكتل عن رفضه، لأن تكون الشريعة هى المصدر الأساسى للدستور، لافتًا إلى وجود اجتهادات عديدة، قد تُدخل البلاد فى منزلقات خطيرة.

أما حزب المؤتمر من أجل الجمهورية فقد عبّر بعض أعضائه داخل البرلمان عن رفضهم تبنى حركة النهضة لما يسمى ب- (منظومة القيم الإسلامية)، التى لجأت إليها الحركة بديلاً للشريعة الإسلامية، وبزعم أن هذا المصطلح قابل للتأويل. وطالب النواب باعتماد الإعلان العالمى لحقوق الإنسان مصدرًا أساسيًا للدستور التونسى.

إن المقارنة الموضوعية للمسودات الأربعة لدستور 2014 فى تونس تؤكد أنها لم تكن مستقرة، أو تسير على وتيرة واحدة، فهى كانت تتطور، وتتغير بحسب الحوارات، والضغوط التى كانت تتم داخل المجلس التأسيسى (البرلمان)، وأيضًا من قوى الضغط من خارج المجلس من ناحية أخرى.

ومن خلال المناقشات التى جرت تم الاتفاق على أن يكون الفصل الأول من الدستور ينص على: (تونس دولة حرة مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها، ولا يجوز تعديل هذا الفصل)، كما تم النص فى الفصل الثانى على أن: (تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون).

ونص الدستور فى الفصل السادس على أن: (الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد، والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد، ودور العبادة، والتوظيف الحزبى، وتلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح، وبحماية المقدسات، ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير، والتحريض على الكراهية، والعنف، والتصدى لها).

وقد أثار نص الدستور فى مقدمته التى أكد فيها تمسك الشعب بتعاليم الإسلام، ومقاصده المتسمة بالتفتح، والاعتدال، وبالقيم الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان الكونية السامية.. إلخ، جدلاً داخل المجتمع، حيث اعتبر البعض هذا النص بمثابة تأكيد على إصرار حركة النهضة على التمسك بالشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع، وأن هذه الصيغة حمالة أوجه، إلا أن ذلك الخطاب لم يجد دعمًا قويًّا داخل البرلمان الذى اعتمد الصيغة المقدمة كما هى.

لقد اعتبر الكثيرون أن تخلى حركة النهضة لأول مرة عن النص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى والوحيد فى الدستور، واستبدال عبارات أخرى بها، هو تغير نوعى مهم فى أداء الحركة، ومواقفها، بينما اعتبره البعض أنه جاء استجابة للضغوط التى مارسها الشارع التونسى، وقواه الحزبية، والمدنية خاصةً بعد سقوط حكم جماعة الإخوان فى مصر بعد اندلاع ثورة 30 يونيو 2013.

النظام السياسى

وكانت القضية الأخرى التى نالت اهتمامًا خاصًّا من حركة النهضة، هى المتعلقة بشكل النظام السياسى الجديد فى تونس.

لقد سعت الحركة خلال مناقشات الدستور إلى دعم النموذج البرلمانى بهدف تحجيم حكم الفرد، وضمان توزيع السلطة، وتداولها عبر الانتخابات التعددية، وبحيث يكون مصدر قوة، واستقلالاً للمجتمع المدنى. (3)

واعتبرت حركة النهضة أن النموذج البرلمانى فيه ضمانة، وحماية ضد التسلط والاستبداد، فى حين رأى معارضو الحركة أنها تسعى إلى الهيمنة على السلطة من خلال فوزها فى الانتخابات التشريعية، كونها أصبحت تمتلك أكثر المقاعد فى مجلس النواب.

وقد رفضت قوى سياسية عديدة طرح الحركة، وتبنيها للنظام البرلمانى، الذى يجعل من رئيس الجمهورية مجرد رمز لا سلطة له على شئون الحكم فى البلاد، فاضطرت حركة النهضة تحت إلحاح القوى المناوئة إلى القبول بالنظام المختلط الذى يمنح الرئيس بعض الصلاحيات إلا أنها وضعت قيودًا على سلطات الرئيس، ومنها: لا يجوز لأى تعديل أن ينال من عدد الدورات الرئاسية، ومدّها بالزيادة، وكذلك لا يجوز لرئيس الجمهورية الجمع بين مسؤولياته، وأية مسؤولية حزبية.

ونجحت (النهضة) فى أن يتضمن الدستور الجديد نقل مجموعة من الصلاحيات من رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة، من منفذ للسياسة العامة التى يصيغها رئيس الدولة، إلى واضع وضابط لها باستثناء مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومى، والتى يتوجب على الرئيس استشارة رئيس الحكومة فيها.

وبمقتضى الدستور الجديد انتقلت رئاسة مجلس الوزراء من رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة، وهى إضافات دستورية أعطت أدوارًا إضافيةً للحكومة، والبرلمان بعد ما كانت حكرًا على مؤسسة الرئاسة لمدة طويلة. (4)

قضية المرأة:

وكان موقف حركة النهضة من قضية حقوق المرأة أثناء صياغة مواد الدستور مثيرًا للجدل، حيث اعتبرت الحركة أن المرأة مكملة للرجل، إلا أنها تراجعت عن موقفها سريعًا بسبب ردود الأفعال الغاضبة فى المجتمع التونسى.

وبعد أن اعتبر الليبراليون، والعلمانيون أن علاقة التكامل بين المرأة، والرجل التى تطرحها الحركة هى علاقة غير متكافئة، لأنها تحرم المرأة من التعليم والعمل والمشاركة فى الأنشطة العامة، وتجعل الرجل ميهمنًا على المرأة وتابعة له. (5)

جاء الدستور التونسى بحل توافقى، ليؤكد أن: (المواطنون والمواطنات متساوون فى الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز)، وتضمن الدولة للمواطنين، والمواطنات الحقوق، والحريات الفردية، والعامة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم، كما تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتعمل على دعمها، وتطويرها، وتضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل، والمرأة فى تحمل مختلف المسؤوليات فى جميع المجالات، كما تسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة، والرجل فى المجالس المنتخبة، وتتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة. (6)

ولقد جاء الدستور التونسى بموافقة حركة النهضة، ليؤكد على المكتسبات الاجتماعية، والقانونية للمرأة الواردة فى مجلة الأحوال الشخصية، بما فيها حق المرأة فى اختيار قرينها، وتحديد سن الزواج ثمانية عشر عامًا، والاعتراف بدور المرأة الشريك فى رعاية الأسرة، ومنع تعدد الزوجات، وحقها في طلب الطلاق، كما مكّن الدستور المرأة بنصِّه على حق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية الذى حرمها منه الدستور التونسى عام 1959.

التجديف

سعت حركة النهضة خلال النقاشات التى جرت حول صياغة الدستور التونسى إلى تجريم انتهاك المقدسات الإسلامية، والمسيحية، واليهودية، إلا أن ذلك قوبل بالرفض باعتباره تهديدًا لحرية التعبير، فاضطرت الحركة بعد ذلك إلى التراجع عن طرحها، باعتبار أن الدساتير ليست مكانًا لتشريع العقوبات.

وبعد التوافق جاء الدستور التونسى، ليؤكد أن (الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد، والضمير، وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد، ودور العبادة بعيدًا عن التوظيف الحزبى، وتلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال، والتسامح، وحماية المقدسات، ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير، والتحريض على الكراهية، والعنف بالتصدى لها).

--------------------------

(1) حمادى الرديسى: أى دور للحوار الوطنى فى تونس فى ظل حكومة المهدى جمعة- مبادرة الإصلاح العربى 2014، صـ2

(2) أنور الجمعاوى: انتصار ثقافة الحوار فى تونس، العربى الجديد، 2 نوفمبر 2015

(3) برنامج حركة (النهضة) من أجل تونس، الحرية والعدالة والتنمية، ص- 4

(4) أمينة هكو: مؤسسة الرئاسة فى تونس بين الثابت والثورة التونسية، المستقبل العربى، فبراير 2015، ص27

(5) حمادى ذويب: الإسلاميون فى تونس وقضايا المرأة بين مطرقة النص وسندان الواقع، ص- 445- 446

(6) الدستور التونسى لعام 2014، الفصل السادس والأربعين

مواضيع أخري لهذا الكاتب