لماذا تراجعت «النهضة» فى انتخابات 2014؟!

يكتبها على حلقات - مصطفى بكرى

إخوان تونس رحلة الصعود والسقوط «الحلقة الخامسة»

.. .. .. ..

- الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسعى إلى الهيمنة كانت من أهم أسباب فشل الحركة فى الحصول على الأغلبية

- الانتهازية السياسية هى وحدها كانت وراء إسقاط الحركة لقانون العزل السياسي!!

- المؤتمر العاشر للنهضة كان نقطة تحول لكنه لم يهجر «الإسلام السياسي» تمامًا

.. .. ..

"فى الحلقة الخامسة من حلقات «إخوان تونس.. رحلة الصعود والسقوط».. يتناول الزميل مصطفى بكري، رئيس التحرير الأسباب التى أدت إلى فشل حزب حركة النهضة التونسية فى الحصول على الأغلبية البرلمانية فى الانتخابات التشريعية لعام 2014.

ويرصد الكاتب التحولات التى جرت خلال المؤتمر العاشر «للنهضة» فى عام 2016 ومدى مصداقية الحديث عن هجرة «الإسلام السياسي» خلال المرحلة الجديدة من عمر الحركة"

.. .. .. ..

بعد مرور ثلاث سنوات على انتخابات المجلس الوطنى التأسيسى الذى صاغ الدستور، توجه التونسيون لانتخاب مجلس نيابى جديد، ليكون مقدمة لإنهاء المرحلة الانتقالية فى البلاد.

وقد أعلنت الهيئة العليا للانتخابات التشريعية التونسية التى جرت يوم الأحد 26 أكتوبر 2014 أن نسبة الإقبال على صناديق الانتخابات بلغت 61.8٪، وجاءت النتائج، لتؤكد فوز حزب «نداء تونس» الذى يترأسه باجى قايد السبسى بالمرتبة الأولى بعد أن حصل على 86 مقعدًا من جملة مقاعد المجلس البالغة 217 مقعدًا، ثم جاءت حركة النهضة فى المرتبة الثانية بحصولها على 69 مقعدًا متراجعة بعدد 20 مقعدًا عن الانتخابات التشريعية فى عام 2011، وحصل الاتحاد الوطنى الحر على 16 مقعدًا، وحصلت الجبهة الشعبية على 15 مقعدًا(1).

وقد أحدث تراجع «حزب حركة النهضة» فى هذه الانتخابات صدمة لقيادة الحزب التى أدركت أن عليها مراجعة الأسباب الحقيقية لتراجعها، وتفوق حزب «نداء تونس».

ويمكن حصر هذه الأسباب فى عدد من النقاط أهمها:

- فشل حركة النهضة فى أدائها فى إدارة مؤسسات الدولة خلال فترة حكمها فى تونس من 2011.

- شعور الناخبين باليأس، والإحباط نتيجة تردى الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية فى عهد حكم حركة النهضة.

- الخوف من تردى الأوضاع فى الفترة القادمة، وتمكين النهضة من الهيمنة الكاملة على مؤسسات الدولة.

- عدم مصداقية «النهضة» فى وعودها السياسية بما فيها الوفاء بالوعد المحدد لإنهاء الفترة الانتقالية.

- انتشار العنف، وعدم قدرة الحكومة على تحقيق الأمن والاستقرار وحماية المعارضين وأصحاب الفكر المخالف، مما أدى إلى تراجع الثقة بقدرة الحركة على إنهاء مظاهر الفوضى، والعنف فى البلاد.

- ارتباك الخطاب السياسى للنهضة إزاء عددٍ من القضايا المهمة، منها ما يتعلق بتطبيق الشريعة، وهوية الدولة، وحقوق المرأة والتحديث.

- ممارسة الانتهازية السياسية، وإعطاء الأولوية للتصالح على حساب مواجهة رموز النظام السابق، وفسادهم.

- تعرض الحركة لهجمات إعلامية ممنهجة، أقنعت قطاعات كبيرة من التونسيين بفشل النهضة فى إدارة الملفات الساخنة طيلة الفترة الماضية.

لقد كانت هذه الأسباب، مجتمعة، هى التى دفعت قطاعات كثيرة من الناخبين التونسيين إلى الانحياز لحزب «نداء تونس» الذى هو عبارة عن «تحالف مؤقت» يضم مكونات غير متجانسة أيديولوجيًّا(2).

ولكن الحركة نجحت فى التحالف معه فى هذا الوقت رغم تحفظاتها السياسية على الحزب، وقيادته.

ومع ازدياد حدة الانقسام، والاستقطاب على الساحة السياسية فى هذا الوقت، شهد حزب «نداء تونس» انشقاقًا بين نوابه بسبب التوجه نحو توريث حافظ قايد السبسى رئاسة الحزب، مما تسبب فى تصدر حركة النهضة للمشهد السياسى بحكم امتلاكها، بعد هذا الانشقاق، أكبر كتلة برلمانية داخل مجلس النواب(3).

وكان حزب «نداء تونس» قد شهد انشقاق (22) نائبًا فى بداية عام 2016 «بسبب التنازع على زعامة الحزب بين محسن مرزوق الأمين العام السابق للحزب، الذى أسس «الكتلة الحرة» مع نواب آخرين، وبين حافظ السبسي، ابن رئيس الجمهورية قايد السبسي، الذى اتهم بالسعى لخلافة والده فى رئاسة حزب نداء تونس.

وهكذا جرت إعادة تشكيل الخارطة البرلمانية داخل مجلس النواب على الوجه التالي:

- حزب حركة النهضة صعد إلى 69 مقعدًا.

- حزب نداء تونس تراجع إلى 64 مقعدًا.

- الكتلة الحرة 22 مقعدًا (كانوا ينتمون إلى «نداء تونس»).

- الاتحاد الوطنى الحر 16 مقعدًا.

- الجبهة الشعبية 15 مقعدًا.

- آفاق تونس 10 مقاعد(4) وغيرها.

لقد شكل تراجع حزب النهضة عن المرتبة الأولى إلى الثانية فى الانتخابات التشريعية لعام 2014 صدمة لكوادر الحزب الأساسية، وإن كانت هناك قيادات فاعلة كانت تتوقع ما هو أكثر من ذلك، بسبب تحفظ النهضة، وعدم قدرتها على الوفاء ببرنامجها الذى أعلنته فى عام 2011، لانتخابات المجلس التأسيسي.

وقد وجدت الحركة، من منطلق انتهازيتها السياسية، أن مشاركتها مع حزب نداء تونس، هى الوسيلة الوحيدة لبقائها فى واجهة المشهد، والحكم داخل البلاد، مهما اختلفت، أو تباينت الرؤى السياسية بين الجانبين.

ومما سهل من النجاح فى تحقيق هذا الهدف هو إعلان الحركة عدم تقدمها للانتخابات الرئاسية، ودعم مرشح توافقى للرئاسة، وكان هذا المرشح هو الباجى قايد السبسى.

وبعد تولى الرئيس الباجى قايد السبسى رئاسة الجمهورية كلف الحبيب الصيد بتشكيل الحكومة التونسية الجديدة مع مراعاة الأغلبية التى يحظى بها حزب نداء تونس وفقًا للنظام التونسى المختلط، وبعد المداولات التى أجراها رئيس الحكومة الجديدة تم منح الثقة للحكومة فى 5 فبراير 2015، حيث ضمت 28 وزيرًا، ولم تحصل حركة النهضة ضمن التشكيل الحكومى الجديد إلا على وزارة واحدة، هى وزارة التكوين المهنى والتشغيل(5).

لقد سعت حركة النهضة فى هذا الوقت إلى الظهور بمظهر الحزب الذى يسعى إلى التوافق السياسى بين جميع القوى الحزبية والسياسية، خاصة بعد فشلها فى إدارة المرحلة الانتقالية، ووصل بها الأمر إلى حد رفض قانون «تحصين الثورة»، أو «قانون العزل السياسي»، واعتبرت أن كل من يلتزم بالدستور التونسى له حق المشاركة، والمنافسة السياسية فى الانتخابات.

لقد شكل موقف حركة النهضة ارتياحًا لدى أنصار النظام القديم، لكنه أحدث قلقًا بين القوى الجديدة التى كانت وراء تفجير الأحداث خلال الثورة التونسية فى 17 ديسمبر 2010، علمًا بأن الفصل (167) من قانون الانتخابات التونسية، والمتعلق بالعزل السياسى نص على أنه: «لا يمكن أن يترشح لانتخابات مجلس نواب الشعب، كل من تحمل مسئولية صُلب الحكومة فى عهد الرئيس المخلوع، باستثناء من لم ينتم من أعضائها إلى التجمع الدستورى الديمقراطى المنحل، كما لا يمكن الترشح لكل مَن تحمل مسئولية فى هياكل التجمع الدستورى الديمقراطى المنحل، وفق مقتضيات الأمر عدد (1089) المؤرخ فى 3 أغسطس 2011، وتبقى هذه الأحكام سارية المفعول إلى حين تطبيق منظومة العدالة الانتقالية وفق الفقرة (9) من الفصل (148) من الدستور(6).

وكان المجلس التأسيسى الذى كان يسيطر عليه حزب حركة النهضة قد نجح فى إسقاط الفصل (176) المتعلق بالعزل السياسى بحصوله على (108) أصوات، وتحفظ (43) ورفض (23) عضوًا.

وبالرغم من ظهور بعض الاختلافات فى تصويت أعضاء الكتلة البرلمانية التابعة لحركة النهضة على هذا الفصل، إلا أن توجيهات قيادة الحركة كانت بإسقاط هذا القانون(7) بعكس سياسة حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين فى مصر) الذى أصر على إصدار قانون للعزل السياسى أسقطته المحكمة الدستورية لعدم دستوريته فيما بعد.

وقد كان موقف الحركة من إسقاط قانون العزل السياسى واحدًا من الأسباب المهمة التى دفعت قطاعًا كبيرًا من الشباب إلى الامتناع عن التصويت للحركة، خاصة بعد أن أدركوا أن الموقف لا يعبر عن قناعة سياسية بحق الآخر فى الترشح، وإنما كان تعبيرًا عن انتهازية سياسية، وأملًا فى الحصول على أصوات بقايا النظام القديم لتحقيق الأغلبية فى المجلس التشريعى الجديد.

معنى التحول:

فى العام 2016 اتخذت حركة النهضة قرارًا مهمًّا بالابتعاد عن الجذور الدعوية، والتركيز حصريًّا على العمل السياسى مما اعتُبره تحولًا كبيرًا فى إستراتيجية الحركة، حيث تأكد ذلك خلال المؤتمر العام العاشر للحركة، والذى عقد فى مايو 2016.

وقد أكد راشد الغنوشى زعيم الحركة: «أن هذا التحول ليس مجرد وسيلة لمغادرة الإسلام السياسي، والدخول فى مجال «الديمقراطية الإسلامية» وحسب، بل هو أيضًا الحصيلة الطبيعية للمشاركة الكاملة للحزب فى مجتمع ديمقراطي، حيث أضاف: نتطلع إلى تطوير حزب نهضة جديد، وتجديد حركتنا، ووضعها فى المجال السياسى خارج أى انخراط مع الدين».

وقال: «قبل الثورة كنا نختبئ فى المساجد، ونقابات العمال والجمعيات الخيرية، لأن النشاط السياسى الحقيقى كان محظورًا، لكن الآن يمكننا أن نكون طرفًا سياسيًّا علنيًّا».

واعتبرت الحركة منذ هذا الوقت أنها تعتمد فى تحركاتها على «الاختصاص الوطني» الذى يشير إلى فصل كامل للعمل السياسى عن النشاط الدعوي.

ومع هذا التغير جرى تقليص التشديد على الأسس الدينية، والابتعاد عن أيديولوجيا العمل الدعوي، وتكريس الموارد البشرية، والمالية للسياسات الانتخابية.

وعلى الرغم من أن قرار «التحصين الوظيفي» كان ينطوى على إعادة هيكلة شاملة، يتم بموجبها فصل كل النشاطات الدعوية عن الحزب، وإحالتها إلى منظمات دينية، إلا أن هذا الفصل التام لم يحدث، وهو ما ترك علامات استفهام كبيرة حول مدى التزام حركة النهضة بتعهداتها أمام الرأى العام.

لقد ظلت حركة النهضة تضع الأولوية لديها طيلة الفترات الماضية، وتحديدًا فى عهديْ بورقيبة، وبن علي، للحفاظ على الوحدة من خلال الاختيار بين العمل الدعوي، والعمل السياسي، غير أن ذلك قد شهد تغييرًا، وتحديدًا بعد الثورة التونسية التى أسقطت حكم الرئيس زين العابدين بن علي، وأصبحت الحركة لاعبًا سياسيًّا، وشاركت فى الحكم مع شركاء علمانيين، كانوا يتشككون فى مدى التزام الحركة بالديمقراطية، وهو الأمر الذى سرع من ضرورة تسوية هذه المسألة بأى شكل من الأشكال.

لقد كان دستور (2014) نقطة تحول مهمة فى مسار حركة النهضة، إذ جسد تخلى حركة النهضة عن اقتراحها حول جعل الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع فى أعقاب الاحتجاجات الواسعة التى نظمتها القوى العلمانية، وممثلو المجتمع المدني، كما جرى إسقاط عقوبة «التجريم» فى الاتهامات الدينية مثل التكفير، ولم يُذكر دور الدولة فى «حماية المقدس» إلا على نحو خاطف(8).

وقد لعبت الضغوط المختلفة من الداخل، والخارج دورًا رئيسًا فى تعزيز توجهات العناصر القيادية فى النهضة التى تبنت هذا المشروع، مما أسفر فى النهاية عن انتصارها على التيار المتشدد فى داخلها.

وهكذا بعد أن غابت عن جدول أعمال النهضة شعارات «أسلمة المجتمع»- جرى توظيف المؤتمر العاشر لحركة النهضة فى عام 2016 لتأكيد هوية الحركة التى تتماشى مع حقائق الدستور الجديد- والتى كان من أبرزها الحاجة إلى تطوير إستراتيجية الحركة للحفاظ على النواة الصلبة لأنصار الحركة والسعى إلى اجتذاب قواعد انتخابية أوسع، ومراجعة الحركة لعلاقاتها مع الحلفاء الدينيين، والقواعد الانتخابية الشعبية الأوسع.

لقد كان الحلفاء الجدد للنهضة- الدوليون ومن هم بالداخل- يستهدفون تغييرًا شاملًا لأسلوب النهضة، واسمها المعروف، ولكن المؤتمر العاشر للحركة رفض تغيير اسم الحركة، كما أن قضية «التحصين الوظيفي» التى حملت عنوان «إدارة المشروع: التخصص كخيار إستراتيجي» لم تحدد بدقة ماهية مشروعها الجديد، وظلت العبارات التى تضمنها تحمل قدرًا من الغموض، ولم تحوِ تأكيدًا حاسمًا بهجرة الإسلام السياسى من جدول أعمالها.

-------------

هوامش:

(1) موقع الهيئة الوطنية للانتخابات التشريعية التونسية.

(2) إسلام الكواكبي: تونس، هل هى فعلًا ثورة مضادة؟، مبادرة الإصلاح العربى 2014 صـ3- 4.

(3) فتحى الجراي: الصراع داخل «نداء تونس» وتأثيره على العملية السياسية- مركز الجزيرة للدراسات 2015- صـ1- 2.

(4) صحيفة العرب- المشهد السياسى الجديد فى تونس- 1 فبراير سنة 2016.

(5) أنور الجمعاوي: الحكومة الائتلافية فى تونس: قراءة التركيبة والتداعيات والتحديات- الدوحة: المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات صـ2- 4.

(6) توفيق المديني: الرابحون والخاسرون من سقوط العزل السياسى فى تونس، بوابة الشروق- 9 مايو 2014.

(7) سليم دبوس: القانون الانتخابى فى تونس خطوة إيجابية أخرى فى المسار الانتقالي: الوسط 13 مايو 2014.

(8) حمزة المؤدب: خروج النهضة المرتبك من الإسلام السياسي- معهد كارنيجى للسلام الدولى صـ8.

مواضيع أخري لهذا الكاتب