لقاء مع المشير حفتر

مصطفي بكري
بقلم - مصطفي بكري

كانت تلك هى المرة الأولى التي أقابله فيها وجها لوجه، مضيت من بلدية سلوق التى تبعد نحو 80 كيلو مترا عن بنغازى إلى معسكر الرحمة القريب من مطار «بنينا»، كنت فى زيارة إلى ضريح شيخ المجاهدين عمر المختار، عندما أبلغنى مرافقى أن لقائى مع المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطنى الليبى هو في الرابعة والنصف من بعد عصر الثلاثاء 28 يناير الماضى.

كان اللواء عون الفرجانى رئيس الهيئة العامة للسيطرة بالقيادة العامة فى انتظارى، مضينا سويًا إلى مكتب «المشير»، كان الاستقبال حارًا، وقبل أن أسأله عن التطورات الراهنة، بادرنى بأبلغ العبارات عن مصر ودورها، عن الرئيس السيسى ودعمه لليبيا فى أزمتها الراهنة.. عن المعركة المشتركة ضد الإرهاب، عن اتصالات الرئيس مع قادة العالم، رفضا للتدخل الخارجى ضد ليبيا.

قال المشير خليفة حفتر: الإرهاب لا يستهدف ليبيا فقط، وإنما يستهدف مصر ودول الجوار، كان بذلك يشير إلى عناصر الإرهاب التي تتدفق إلى ليبيا من كل حدب وصوب بمساعدة مباشرة من أردوغان وحكومة قطر. قال: عدونا مشترك وأرضنا واحدة ويجب تأمين الحدود التى تربط بين بلدينا هناك إرهابيون مصريون جاءوا إلى هنا وبدءوا فى التآمر على مصر والتسلل عبر الحدود الشاسعة إلى الصحراء الكبرى، ثم العودة مرة أخرى، كأنهم اتخذوا من ليبيا، ودرنة تحديدًا قاعدة للانطلاق ضد مصر.

لقد كان المشير خليفة حفتر يشير بذلك إلى جماعة «المرابطون» التى أسسها الإرهابى هشام عشماوى الذى قام بالعديد من العمليات الإرهابية ضد مصر انطلاقًا من الأراضى الليبية، هذا الإرهابى الذى تم القبض عليه فى درنة، وتسلمه الوزير عباس كامل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية والذى جاء به فى طائرة خاصة، بعد أن التقى المشير حفتر فى بنغازى.

صحيح أن جهاز المخابرات العامة المصرى كان يتابع هذه العناصر وتحركاتها على الأراض الليبية، وكان يتبادل المعلومات بشكل مستمر مع أجهزة الاستخبارات الليبية، إلا أن المؤامرة لم تتوقف، ومحاولات التسلل عبر الحدود ظلت مستمرة رغم كافة الإجراءات والاحتياطات التى اتخذتها مصر.

كان حديث المشير ينطلق من المسئولية التى أخذها على عاتقه منذ انطلاق عملية «الكرامة» فى 16 مايو 2014 والجهود التى بذلت لبناء الجيش الوطنى، بهدف تحرير البلاد من حكم الميليشيات والعصابات الإرهابية، التى احتلت المدن والمناطق المختلفة وتغلغلت فى عصب الدولة.

وعندما تحدثت معه عن الجهود السياسية ووقف إطلاق النار، كانت إجابته واضحة: لا حل سياسيا دون إنهاء حكم الميليشيات ووحدة الأرض الليبية واحترام إرادة الشعب التى يعبر عنها مجلس النواب.

تحدث معى المشير عن ما جرى في موسكو وفى برلين، والمحاور الثلاثة (السياسى، والاقتصادى، والعسكرى) مؤكدًا أن وقف إطلاق النار مرتبط بتفكيك الميليشيات ووقف التدخل التركى فى شئون البلاد، واحترام إرادة الشعب الليبى.

من هنا قال المشير حفتر: «كان موقفنا الواضح في موسكو برفض التوقيع على الاتفاق المقدم بوقف إطلاق النار بلا شروط، وبلا تعهدات، ذلك أنهم وتحديدا الأتراك وأتباعهم فى طرابلس أرادوا من وراء ذلك استغلال الهدنة لإرسال المزيد من الأسلحة والمرتزقة لمساندة حكومة السراج التى بدأت تتقهقر بعد الانتصارات الكبرى التى حققها الجيش الوطنى الذى بات على مقربة كيلو مترات قليلة من قلب العاصمة طرابلس.

يدرك المشير حفتر أن عملية الكرامة تتمدد ولا تنكسر، ولهذا هو على ثقة أكيدة بأن تحرير طرابلس بأى شكل وأى وسيلة هو قرار استراتيجى لا رجعة عنه، ولكن التجارب أثبتت أنه دومًا حريص على تحقيق ذلك بأقل قدر من الخسائر البشرية والمادية.

بعد لقاء استمر لأكثر من نصف ساعة رغم مشاغله المكثفة، أمضيت نحو أربع ساعات مع اللواء عون الفرجانى بمقر القيادة العامة، والذى راح يحدثنى عن عملية الكرامة، والجهود التى بذلها المشير خليفة حفتر للملمة الشمل، وبناء الجيش الوطنى، وخوض معركة التحرير التي لا تزال مستمرة لما يقارب الست سنوات.

مضيت من هناك وأنا على ثقة من أن من استطاعوا تحرير بنغازى وأجدابيا ودرنة وسرت والجنوب وغيرها بما يزيد على 90٪ من أراضى ليبيا الشاسعة قادرون - بالقطع - علي تحرير ما تبقى من الأرض التى أصبحت مرتعا خصبًا للإرهاب والمؤامرات.

خمسة أيام قضيتها فى ليبيا، مضيت فى شوارع بنغازى ودرنة والبيضاء والقبة وسلوق، تجولت فى مناطق الجبل الأخضر وبنينا، شاركت فى ندوات جماهيرية ولقاءات تليفزيونية، التقيت إلي جانب المشير رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح ورئيس مجلس الوزراء عبدالله الثنى، ووزير الخارجية د. عبدالهادى الحويج الذى وجه لى الدعوة، وتولى مكتبه إعداد برنامج الزيارة..

عدت إلى مطار برج العرب مساء الأربعاء 29 يناير، كل من التقيتهم كانوا يسألوننى: كيف غامرت بالذهاب إلى ليبيا؟ لماذا خاطرت؟ راحوا يحاصروننى بأسئلتهم وكنت أقول لهم: دوما البلد آمن ومستقر، لكن ما بقى هو ذكريات أليمة عن مشاهد القتل والإرهاب والخراب الذى ساد البلد لفترة طويلة من الوقت، كنت أقول لهم أيضا: هل أدركتم قيمة ما فعله جيشكم العظيم، وهل عرفتم حقيقة دور رجال الشرطة فى حماية الأمن الداخلى للبلاد، هل عرفتم كيف تصدى القضاة للإرهاب، وأصدروا أحكامهم دون خوف من التهديدات التي كانت توجه إليهم؟!
فى هذه اللحظات عادت بى الذاكرة إلي أحداث مضت ودماء سالت وتضحيات قدمت بلا حدود.

مواضيع أخري لهذا الكاتب