بعد قرار تطبيق الحظر الصحى ..حياة الفرنسيين تتحول إلى جحيم

بقلم - صالح أبو مسلم

عاصمة الجمال والنور تتحول إلى مدينة أشباح..
منذ بدء سريان الحظر الصحى الذى فرضته السلطات الفرنسية بداية من ظهر الثلاثاء الماضى الموافق للسابع عشر من مارس الجارى تحولت المناطق الفرنسية لمدن أشباح، وبدت العاصمة الباريسية شبه خالية من سكانها وذلك بعد انتشار أكثر من مائة ألف من رجال الشرطة والجيش لتطبيق إجراءات الحظر واتخاذ الإجراءات العقابية التى تصل لغرامة مالية تقدر ب135 يورو للمخالفين وهؤلاء الذين لا يقدمون تصريحا مكتوبا وزعته الشرطة لتوضيح سبب الخروج.

ومع إجراءات الحظر الصارمة أغلق الكثير من المحلات التجارية والخدمية وأماكن الترفيه والأماكن السياحية والدينية من مساجد وكنائس أبوابها باستثناء المستشفيات والصيدليات وبعض المحلات التجارية والمخابز لتقديم خدماتها ولكن بإجراءات صارمة، وقبل بدء أولى ساعات الحظر تهافت المواطنون بشكل هستيرى على المحلات والصيدليات لشراء احتياجاتهم من خلال طوابير طويلة بسبب إجراءات الدخول الصارمة ومنعا لتفشى المرض قبل أن تغلق تلك المحلات أبوابها، هذا وقد سبق أن اتخذت فرنسا إجراءات احترازية بشأن إغلاق المدارس والجامعات ودور العبادة والأنشطة الثقافية والمتاحف وغيرها من الأنشطة خوفا من انتشار المرض، ومع معايشة الفرنسيين للبقاء فى منازلهم وتغيير نمط عيشهم وسلوكهم يعيش الفرنسيون أسوأ أيامهم، إذ لم يسبق لهم ولغيرهم أن يمروا بتلك التجربة بعد تعودهم على حياة العمل والسهر والمرح والمشاركة فى الأنشطة الثقافية والتنقل فى باريس ومدنها، وهى تجربة بدت مريرة بدرجة لم يشهد مثيل خلال الحربين العالميتين وعلى هذه الدرجة من تعطيل الحياة لها البشرية ولا يوجد لها مثيل فى الذاكرة الشعبية الفرنسية المعاصرة.
وبرغم أيام الحجر المنصرمة إلا أن فرنسا مازالت تسجل نسبة عالية من الإصابات والوفيات بعد أن أصبحت من أكثر البلدان الأوروبية تضررا بعد كل من إيطاليا وأسبانيا ، إذ بلغ عدد الوفيات بها 370 حالة وتخطى عدد الإصابات لأكثر من 11 ألفا و500 حالة بعضها فى حالة الخطر.

واستجابة لما تقره السلطات الفرنسية من تدابير احترازية لمقاومة انتشار الفيروس دعا رئيس مجلس الديانة الإسلامية الدكتور محمود موسوى وبالتنسيق مع أئمة المساجد بفرنسا بعد تنفيذهم لقرار منع الصلوات بالمساجد والالتزام بقرار وزارة الصحة الفرنسية بعدم القدرة على إجراء الغسل الشرعى للمتوفى من المسلمين أو حتى بمشاركة ذويه فى مراسم الجنازة تجنبا لانتشار المرض وإصابة الأطقم الصحية وغيرهم من المشاركين ، وبالمقابل قيام الفرنسيين بتقديم العزاء والمشاركة فى عزاء ذويهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وبرغم كل تلك الإجراءات الصارمة التى تقوم بها السلطات الفرنسية وبرغم ما ستقدمه من عون وتعويض لأصحاب الشركات والأعمال المتضررة والعمل على مواصلة عمل الكثير من القطاع الاقتصادى لضمان سريان الحياة وتبقى هناك الكثير من المشكلات الاجتماعية التى لم تتوصل الحكومة الفرنسية لحلها ومنها شريحة المسنين وكبار السن الذين يعانون فى أماكن إقامتهم من قلة فى التدابير الوقائية والإنسانية بسبب انتشار كورونا، ومثل هؤلاء الآن يعيشون بمفردهم ولذلك فهم معرضون للخطر ليس بسبب كورونا فحسب وإنما بسبب معاناة العزلة والخوف وسوء التغذية وحالات الاكتئاب التى يعيشونها، وكذلك المهمشون بالشوارع والذين لا يجدون المأوى والمأكل، وهؤلاء أيضا عرضة للأخطار ولا يلتزمون بإجراءات الحجر الصحي، ومن جهة أخرى فإن سكان الأرياف بالمدن الفرنسية يخشون من حركة النزوح الكثيفة من سكان المدن الفرنسية للخوف من معايشة التدابير الوقائية ، ولهذا فإن سكان الريف يتخوفون من نشر القادمين للفيروس فى وقت مازالوا يمارسون فيه أنشطتهم الرياضية والبحرية على شواطئ البحر بالجنوب الفرنسي، مما اضطر مدينة نيس الفرنسية لاتخاذ مبادرة فريدة من نوعها وتقضى بإطلاق طائرة من دون طيار تحلق فوق شواطئ مدينة نيس بالجنوب وتحذر الناس من عدم الالتزام بالحجر الصحى والعودة لبيوتهم.
هذا وقد شهدت الأيام الماضية بفرنسا اجتماعات وقرارات هامة برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون الذى يتحرك فى كافة الاتجاهات مع حكومته لمواجهة الفيروس والحد من انتشاره، ومن ذلك اجتماعه الهام صباح الجمعة الماضى الموافق للعشرين من مارس الجارى مع وزرائه بمجلس الأزمات المشتركة لبحث الأمر واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة، ولاحقا بترؤسه لاجتماع مجلس الدفاع بهدف مناقشة مبدأين أساسيين يتمحوران حول إمكانية تمديد فترة الحجر الصحى والتشديد على تنفيذ الإجراءات بحسم، وقد دعا الرئيس ماكرون الوزراء لمضاعفة الجهود فى تلك المرحلة التى تستوجب التعبئة العامة فى كل المرافق الحيوية وداعيا فى الوقت نفسه الأوروبيين للتوحد معا حول تلك الأزمة ومشددا على منطقة اليورو أن تقدم الدعم المطلوب والتدابير اللازمة للحد من انتشار الوباء والحفاظ على الاقتصاد الأوروبى وعدم السماح بتعرضه للانهيار، وكان وزير الاقتصاد الفرنسى برنو لومير قد أعلن فى كلمة له من داخل الجمعية الوطنية الفرنسية أن فيروس كورونا يهدد منطقة اليورو وعليها أن تتحد معا لمواجهة الأزمة للخروج منها منتصرة وتجنب الشقاق والتعرض للخطر ، وبالفعل فقد أعلن المصرف الأوروبى المركزى تقديم برنامج دعم مالى بقيمة 750 مليار يورو للحد من التداعيات الاقتصادية بالدول الأوروبية وبرغم الانتقادات الموجهة من قيادات المعارضة والنقابات الفرنسية بشأن قصور الدولة فى تحركها وتأخرها لمواجهة الوباء واتهامها فى التقصير فى توفير المستشفيات والأسرة والأقنعة والطواقم الصحية ، بعد تقديم الصين لتلك المساعدات مؤخرا لفرنسا ، وأيضا بانتقاد الحكومة بعدم تقديم الضمانات الصحية اللازمة تجاه العاملين فى المجال الطبى ومجال النقل والمواصلات العامة وغيرها من الأعمال الخدمية التى مازالت تقدم خدماتها وقد دعا الفرنسيون تدريجيا إلى التعود على تدابير الحجر الصحى ومواصلة حياتهم من داخل منازلهم وسط حصار هذا الفيروس، والاستعانة للتواصل فيما بينهم بشبكات التواصل الاجتماعى لعدم القدرة على التنقل وغيرها من أساليب المرح بالمنازل والنوافذ والحديث مع بعضهم البعض لمحاربة الاكتئاب والرتابة والإحباط وتلك الحياة القاسية التى لم يعيشوها على هذا النحو القاسى من قبل.



مواضيع أخري لهذا الكاتب