سِرُّ اللغة.

بقلم - إبراهيم فودة

سمعنا كثيرًا أن: "اللغةَ بنتُ المحاكاة" مما يعني أن من ينشأُ بين قومٍ يتحدثون لغةً معينةً، يتكلم بلغتهم. وبمزيدٍ من المخالطةِ المقرونةِ بتلقي العلم، يستطيع أن يقرأَ ويكتبَ تلك اللغة. وتأتي المرحلةُ الثالثة المتعلقة بالإبداع، وهي مرحلةٌ لا يصل إليها إلا من وعى اللغةَ وأدركَ كُنهَها؛ فنجد أحدَهم بالإصرار قد صار كاتبًا مرموقًا، وآخرَ بالموهبةِ والإصقالِ قد أصبحَ شاعرًا مُجيدًا...، ولكن هذا لن يحدثَ إلا بعد اكتسابِ اللغةِ اكتسابًا كاملًا.

يعتقد البعضُ أن ما سبق يلخِّصُ أهميةَ اللغة وهدفها. ولكن هل سبق وسألت نفسك: كيف يفكرُ الإنسان؟ كيف يرى ويسمعُ ويفهم؟
إن الإجابةَ السليمةَ على هذه الأسئلة، تدورُ حولَ اللغة. فمن يمتلكُ اللغةَ فقط هو من يستطيعُ التفكيرَ التسلسليّ السليمَ. لأننا حين نفكر، نفكرُ بالكلماتِ والمعاني التي اكتسبناها من قبل. بل ولِكلٍّ منّا صوتُه الداخلي الدائم، يحركه الذهنُ في تفكيرٍ مستمر لا ينقطع إلا عند الحديثِ مع الآخرين، وهذا الصوت الداخلي لا يكون إلا من خلال لغةٍ معينة. فأنت وأنا نفكرُ عبر كلماتٍ ومعانٍ نستوعبُها، ونعقد المقارنات والإحصاءات، ونرتب النتائج على المقدمات، بل ويستعينُ بعضُنا بورقةٍ يدون فيها خلاصاتِ أفكارِه قبل أن تتفلّت منه، ولا يكون ذلك إلا بواسطة اللغة.

والرؤيةُ أيضًا لا تَكتملُ ولا تُستدعى إلا عبرَ لغةٍ معينة. فحين ترى منظرًا أو صورة تحتوي على عدة أشياء، فإن الذاكرة البصرية تلتقطها. ولو أردتَ تدعيمَ تلك الصورة في ذهنك، فلن يكون ذلك إلا من خلالِ اللغة. ستُفَكّك المشهدَ أو الصورةَ إلى عدة عناصر، فتصف فيها كتابًا أحمرَ، وكوبًا شفافًا، وقلمًا ذهبيًّا على منضدة خشبية، وهكذا...، وبقدر ما تمتلكُ من لغةٍ ومعرفةٍ، بقدرِ ما تضح الرؤيةُ لديك، حتى أراك - وقد أردتَ أن تدعمَ الصورةَ في ذهنك - تسأل عما لا تعرفه فتقول: ما هذا؟ فإذا ما عرفتَه، رسخَ في ذهنك على حقيقتهِ ورأيته بشكل أوضح. ونرى من يُدركُ الحيلَ والألغاز البصرية لا يقع فيها مرةً أخرى إذ تساعده اللغة على فهمها.

وهكذا فإن التفكير والفهم والرؤية والسماع، لا تتم على وجهها الأكمل إلا من خلال لغة ومفردات معروفة. وهنا أجد سؤالين في غاية من الأهمية:

١- كيف يفكّرُ الأصم الذي لا يمتلكُ أي لغة؟

٢- هل الذكاء الحاد لابد لصاحبة من لغةٍ قوية؟

وأجيب فأقول: لقد حيّر السؤالُ الأول كلَّ العلماء ولم يتوصّلوا - حتى الآن - إلى إجابةٍ علميةٍ مُرضية، وخصوصًا حين برَع بعضُ الصُّم في الكتابة والإبانة عما يريدون، فتساءل العلماءُ عن الصوتِ الداخلي عند الأصم وبأي لغة يفكر وهو لم يسمع كلمة في حياته، فلم يجدوا إجابة. ويبدو لي أن الحياةَ بالداخل لديهم - كما بالخارجِ - صماء، وأن التفكيرَ لديهم تنقصه مرحلةٌ وسيطة، وهي مرحلة اللغة، ومن هنا يتم عندهم ما يمكن أن أسميه "بالإحالة"، فحين يرى أحدُنا شخصًا يَعَضُّ على "ليمونةٍ"، تستقر في ذهنه كلمة "ليمون" ثم يجد في ذوقه شيئًا من لسعة الليمون وحامضيته. وحين تكثف مشاعرَك حول ذلك المشهد قد تتجزع وتشدُّ على أسنانك وتتغير ملامحُ وجهِك بصورةٍ أكبر ممن يأكل الليمونة ذاتُه. ومن هنا فإن رؤيتي - التي قد تكون خطأً - أن الأصم يحدث لديه نوعٌ من الإحالة، فهو حين يرى ذلك المشهد لا تستقر في ذهنه كلمة ليمون، وإنما يحيل المشهد مباشرة من الرؤية إلى المذاق، وبذلك يكثف حواسَّه الأخرى ليدرك المعاني ويتفهمها.

أما السؤال الآخر الخاص بالفهم والذكاء. فإنني أعلنُ أن الفهمَ الصحيح لا يتم إلا بلغةٍ صحيحة، وبقدر إدراك المعنى يكون إدراك الشيء، ولكن علينا أن نعي وجود لغاتٍ متعددة يتعامل معها العقل البشري، فعالم الفيزياء أو الرياضيات أو الهندسة، يستطيع أن يفهم ويفكر بلغة الأرقامِ والمعادلات والمصفوفات والرسومات الهندسية، مالا يستطيع غيره أن يفهمه عبر صفحات من السردِ بأي لغة أخرى من لغات الدنيا. وبقدر استيعاب العالم للغته التي يفكر بها، بقدر ما يشحذ ذكاءه وينميه، وبدون تلك اللغة لن يستطيع أن يرتّب النتائجَ على المقدمات، ويبتكر حلولا لما يقابله من مشكلات. ولعل لغة الأرقام والمعادلات هي أرقى وأوضح ما توصل إليه العقل البشري من لغات، ومثلها مثل الموسيقى، اتفق الجميع على فهمها والتسليم بها. إلا أن الموسيقى لا تحتاج إلى لغة تحملها، كما تحتاج الأرقام والمعادلات.

وحتى لدى العلماء الذين يتعاملون مع الأرقام والمعادلات بشكل مستمر، تظل اللغة الأم، أو اللغة التي يستوعبها العالم منهم بشكل أكبر وأسرع، هي الحاملةُ للأرقام مهما اكتسب هو من لغات أخرى، وحين سُئل العالم المصري الكبير، الدكتور فاروق الباز - وقد استقر عشرات السنوات في الولايات المتحدة - هل تفهم وتفكر بالإنجليزية بشكل كامل؟
فأجاب: نعم، أفهم كل شيء بدقة دون ترجمة إلى العربية في ذهني، عدا الأرقام، فلابد أن تدخل رأسي بالعربية حتى أستوعبها استيعابا كاملا. فهو لا يفهم الرقم 1130 إذا نُطق بالإنجليزية، إلا إذا ترجمه دماغه إلى ١١٣٠ بالعربية.

ومن هنا كان سر اللغة، ليس فقط القراءة والكتابة والتكلم، وإنما الفهم والإدراك والتفكير أيضًا...
وفي مقال قادم نتكلم عن "لغتنا الجميلة"

مواضيع أخري لهذا الكاتب